جسد الثقافة  



العودة   جسد الثقافة > السَّرد، الفِكر، والإعلام > القصة القصيرة والرواية

القصة القصيرة والرواية النصوص القصصية ، النقدية، والأنشطة المتعلقة بالسرد.

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 28 - 01 - 2018, 01:41 PM   #1
خليل الشريف
Registered User
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2012
الدولة: السعودية / جدة
المشاركات: 42
موظف الإرشيف

موظف الإرشيف

بلغ إلى مسمع مدير إدارة مبيعات التذاكر الجوية في المصلحة الوطنية للطيران في مدينة (بيروقراط ) صوت جلبة في إدارته الصغيرة ذات المبنى القديم والمتهالك .. وما كاد أن يقوم من مكتبه - و الذي من النادر جدا أن يتركه أثناء فترة الدوام - ليطلع على مصدر هذه الجلبة والضوضاء غير أن سكرتيره كان قد فتح الباب ودخل وهو يلهث في حالة من الفزع وقال :
( سيدي .. لقد حلت لعنة على أحد موظفي الإدارة .. تعال وانظر لموظف التدقيق في الأرشيف)..
مضى مسرع الخطى خلف السكرتير الذي كان يجر جسمه الممتلئ بين الممرات ، فقد كان قصير القامة ، وصاحب بطن كبير جدا لا يليق بمن يعمل كسكرتير
هبطا إلى الطابق الأرضي ، ثم إلى الدور تحت الأرضي حيث يوجد الأرشيف ..
في الأرشيف الغبار أصبح أكثر ركودا نتيجة اختناق الهواء ، وانعدام وسائل التنظيف . وجدا صعوبة في تخطي الممرات الضيقة ومزاحمة عدد من الموظفين الذين كانوا قد سمعوا بالحادثة جاءوا يسارعون الخطى لمشاهدة كل شيء عن كثب.
شعر المدير بالاختناق لم يكن قد نزل للأرشيف منذ ثمانية سنوات مضت ، فتح الياقة عن عنقه وأخذ نفسا عميقا .. ثم صاح في الجميع :
- ماذا هناك .. لماذا كل هذه الفوضى ؟
وجم الجميع عن الرد .. كانت وجوههم ممتلئة بالدهشة والحيرة ..
تحدث السكرتير بلهجة مختنقة :
- موظف التدقيق .. لقد طاله شيء غريب ..
- ما الذي حدث له .. قالها المدير وهو يزيح عدد من المتجمهرين أمام المكتب الأخير والذي يعمل به موظف التدقيق .. وما أن وقعت عيناه عليه حتى صرخ وهو فاغرا فاه :
- يا إله العالمين .. رحمتك !!
كان موظف التدقيق رجلاً مسنا مخلصا في عمله منذ أن باشره منذ أكثر من 37 عاما في ذات المكان ، وذات المهمة التي لم تتغير ولم تتبدل حتى أنه تولد لديه قناعة مؤكدة أنه سيفارق الحياة يوما ما وهو يصادق على أوراق التذاكر المسترجعة ..
لقد كان جالسا على الارض بطريقة بائسة ، ويبدو أنه مضى زمنا طويلا حتى بلغ محياه هذا الحزن الرهيب ، وعلى القدر الذي كان العاملين في الإدارة يشعرون أن مأساة هذا الرجل تزداد في كل يوم تتكرر فيه نفس المهام التي يقوم بها منذ أكثر 37 عاما ؛ لكن أمرا لم يكن متوقعا ولم يخطر على بال أي ممن عمل في هذه الإدارة ، ولا من المراجعين لها عبر سنواتها الطوال ؛ أنهم سيباشرون عملهم في صباح يوم جديد ليجدوا موظف التدقيق وقد نبت على ظهره صدفة ضخمة شبيه بصدفة السلحفاة !!
كان أمرا مهيبا ومفجعا .. وكان أكثر ما يشغل ذهن مدير الإدارة في تلك اللحظة كيف سيتلقى العالم أن إنسانا من لحم ودم قد نبتت على ظهرة صدفة خضراء ضخمة ؟؟ وهل سيكون مسؤولا كرئيس مباشر لهذا الكائن الغريب عن بزوغ هذه الصدفة !؟
كانت الساعة التاسعة والنصف صباحا ، ولقد دار نقاشا حادا بين المدير والموظفين والمتجمهرين في الممرات وحول المكتب .. حيث كان المتفرجون الأقل طيشا قد أخذوا يدلون بكل ألوان التصورات والتخمينات بشأن مستقبل هذا الموظف .. فكان من رأي أكثرهم بساطة وسذاجة أن ينصبوه رئيسا للأرشيف ؛ إذ أن تهميشه كل هذه السنوات من وجهة نظرهم سبب لما جرى له .. أما الآخرون الأكثر تعقلا فقالوا إنه كان من الضروري إحالته من فترة قديمة للتقاعد براتب كامل فكيف تتعامل هذه المؤسسات مع الإنسان .. إنها تعاملهم كالحيوانات وهذا ما حصل له بالفعل .. ورغم كثرة النقاشات والجدل ، لكن أحدا لم يجرؤ على محادثة موظف التدقيق ، وربما كان ذلك سببه يعود إلى أن النظرة التي كانت ظاهرة على عينية ، والتي كانت توحي بأنه لا يجب إطلاقا سؤاله عن الذي حدث ، وربما كانوا يخشون أن أي اجتهاد أو تصرف منهم من محادثة أو إسعاف أو ملاطفة قد تقود إلى ما لا يحمد عقباه .. فمن كان يتوقع منهم أصلا أن يرى إنسانا على ظهره صدفة ؟
وما أن مضت أقل من ساعتين على الحدث حتى تواجدت أعداد مهولة من الناس والمؤسسات الخدمية والإعلاميين ومراقبين وأطباء وعلماء نفس ، حتى علماء الدين طلبهم العامة حتى يتأكدوا إذا كان هذا الأمر دليلا على قرب يوم القيامة .. لكن غالبية من حضر كانوا يتفقون على أنه من المذهل ذلك التناسق العجيب الذي بدت عليه الصدفة على ظهر الرجل .. حتى أن أحد علماء البرمجة العصبية كان يقول وهو خارج من الأرشيف (( لم أعد أستطيع ان أفهم لماذا لا يكون للإنسان صدفة خضراء بهذا الجمال على ظهره لتحميه ))!!
لم ينتهي ذلك الحدث المهيب في إدارة مبيعات التذاكر لقد كان له تداعيات عظيمة وكبيرة في البلد ، ولقد عقدت جلسات استثنائية وطارئة لمجلس البرلمان ، وصيغت تشريعات صارمة وحازمة لحماية موظفي الأرشيف والتدقيق على وجه الخصوص في الإدارات العامة والخاصة , بحيث يكون لهم حق اتخاذ عدد من الإجراءات الطبية والسلامة المهنية التي تحول دون تكون صدفات خضراء ضخمة على ظهورهم .. وقد اجتمع مجلس الشعب لدراسة وضع موظف التدقيق المنكوب ، وخرج الجميع بتوصية ملزمة التنفيذ ؛ وهي توفير محمية طبيعية خاصة للموظف يقضي فيها ما تبقى من عمره !


http://k-alshareef.com/post.php?id=83


خليل الشريف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17 - 04 - 2018, 12:23 AM   #2
painkiller
إذكُروني لو نويتوا تذكرون
 
الصورة الرمزية painkiller
 
تاريخ التسجيل: 07 - 2011
المشاركات: 1,994
سرد جميل , شكرا لك
painkiller غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

تحويل هجري ميلادي - ميلادي هجري
سنابكم سناب شات دليل سناب تشات

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 08:54 AM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO (Unregistered)
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: vBulletin Doctor