جسد الثقافة  



العودة   جسد الثقافة > السَّرد، الفِكر، والإعلام > القصة القصيرة والرواية

القصة القصيرة والرواية النصوص القصصية ، النقدية، والأنشطة المتعلقة بالسرد.

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 15 - 02 - 2017, 08:50 AM   #1
عبدالواحد اليحيائي
كاتب
 
الصورة الرمزية عبدالواحد اليحيائي
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2002
الدولة: الرياض.. تارة أخرى
المشاركات: 4,733
وجه

هذه ترجمتي الخاصة لقصة (وجه) لأليس مونرو الحائزة على نوبل للأدب (2013) لدورها في مجال القصة القصيرة، انشرها حصرياً بمناسبة اليوم العالمي للقصة 2017 في منتدى جسد الثقافة بيتي الأول، وأسمح بنشرها في كل المواقع والمنتديات العربية مع الإشارة لي كمترجم لهذا العمل الجميل.

وجه
اليس مونرو*

أنا مقتنع أن أبي نظر إلي، رآني، بعد ذلك عرف ما هنالك.

في تلك الأيام لم يكونوا يسمحون للآباء بالدخول إلى مكان الولادة، إلى الغرفة حيث معاناة النساء وصراخهن، بل يرى الآباءُ الأمهات بعد أن يتم تنظيفهن ونقلهن تحت الأغطية إلى عنبر، أو غرفة مشتركة، أو غرفة خاصة. حصلت أمي على غرفة خاصة تقديراً لمكانتها في القرية، أو كما يفترض أن تكون حقيقة، أو هكذا جرت الأمور.

لا أدري إن كان أبي رأى أمي قبل أو بعد وقوفه أمام نافذة غرفة الحضانة ليلمحني للمرة الأولى. غالباً فإن ذلك تم بعد أن رآني. وتحديداً حين سمعت أمي خطواته الغاضبة دون أن تعرف حتى تلك اللحظة سبب غضبه، لقد أنجبت له أخيراً ابن، وهو الأمر الذي يفترض أن يسر به كل الرجال.

عرفتُ بعد ذلك ما قاله، أو تحديداً، الذي قالت لي أمي أنه قاله.

- قطعة من الكبد المفروم. ثم أكمل: لا يجب أن تفكري في إحضار هذا الشيء إلى البيت.

أحد جانبي وجهي كان طبيعياً، بقية جسمي أيضاً كان سليماً من الأكتاف حتى أصابع القدمين، كان طولي واحداً وعشرين إنشاً، أما وزني فكان ثمان باوندات وخمسة أونصات، رضيع ذكر ضخم، وبشرة ما زالت حمراء بسبب رحلتي الأخيرة.

لم تكن علامة ولادتي المميزة حمراء، بل بنفسجية. غامقة عندما كنت رضيعاً وفي سنوات طفولتي الأولى، وكلما كنتُ أكبُر كانت تتحول إلى اللون الفاتح، لكنها أبداً لم تتحول إلى الفاتح تماماً حتى يمكن أن أقول إنها لم تكن علامة فارقة، ولم تتوقف عن أن تكون أول ما يلاحظه الناس فيّ، وأيضاً لم تتوقف عن إرباك الذين كانوا يرونني من الجهة اليسرى. كنت أبدو وكأن أحدهم قد سكب كأساً من عصير العنب عليّ، بقعة تغطي الجانب الإيسر من وجهي، ثم تتحول إلى نقاط متناثرة حين تقترب من رقبتي، وكانت تتحول إلى خطوط عند أنفي ثم تغطّي أحد جفْنيّ.

"إنها تجعل بياض هذه العين جميلاً جداً وواضحاً"، كانت هذه إحدى العبارات الحمقاء والمقبولة التي تقولها أمي كي يجعلني ذلك معجباً بنفسي، والغريب أني صدّقتها.

لم يستطع أبي فعل أي شيء يحول بيني وبين الذهاب للبيت. وبالطبع فإن حضوري ووجودي سبب صدعاً شنيعاً بين والديّ. مع أنه كان من الصعب بالنسبة لي الاعتقاد إنه لم يكن بينهما مثل هذا الصدع على الدوام، أو على الأقل عدم التوافق، أو الشعور بخيبة الأمل المتبادل.

أبي كان ابناً لرجل غير متعلم يملك مدبغة تصنع القفازات، انحسر نشاط المصنع مع تقدم سنوات القرن العشرين، لكن البيت الكبير الذي بناه جدي مازال قائماً بالإضافة إلى الطباخ والبستاني. التحق والدي بالكلية، كما انضم إلى أخوية فكرية خاصة، وأمضى زمناً في الكلية قبل أن يلتحق أخيراً بأعمال التأمين بعدما أقفل مصنع القفازات. وكما كان محبوباً في الكلية كان محبوباً في قريتنا. وكان أيضاً لاعب (غولف) جيد، وبحّار ممتاز. (فاتني أن أشير إلى أننا نعيش عند منحدرات (لاكهورن) في بيت فيكتوري يواجه الشرق).

في البيت، الكراهية والازدراء كانا أفضل ما يقوم به أبي. هذان المصطلحان كانا يسيران معاً، كان يكره ويزدري أنواعاً معينة من المأكولات، وأنواعاً من السيارات، والموسيقى، وطرق في الكلام واللبس، وبعض البرامج الهزلية في الراديو، وأيضاً كَره بعض الشخصيات التلفزيونية، هذا مع تقسيمة معتادة للأجناس والطبقات كان الناس في أيامه معتادين على احتقارها وكرهها (ربما ليس بالطريقة التي كان هو يفعل بها ذلك). في الحقيقة فإن آراءه لقيت قليلاً من المعارضة في قريتنا وسط اصدقائه من هواة البحر، أو من زملائه في الأخوية الخاصة. ولعل خشونته كما أعتقد، هي ما خلق الشعور تجاهه بعدم الارتياح، أو شعور بعضهم بالإعجاب. يسمّي الأشياء بأسمائها، هذا ما قيل عنه.

وبالطبع، فإن نتاجاً مثلي شكّل إهانة له. إهانة كان عليه أن يواجهها في كل مرة يقوم فيها بفتح باب بيته. كان يفطر وحده، ولم يكن يحضر للغداء. كانت أمي تأكل هذه الوجبات معي وجزء من العشاء أيضاً، بقية الوجبات كانت تأكلها معه. في النهاية أعتقد أنه تم الوصول إلى اتفاق بينهما بهذا الشأن، أصبحت تجلس معي أثناء تناولي للوجبات، لكنها تأكل معه. كان واضحاً أن مساهمتي في هذا الزواج لم تكن مريحة.

لكن كيف أصبحا معاً؟ أمي لم تذهب إلى الكلية، بل كانت تقترض للذهاب إلى المدرسة حيث كان المدرسون مُدَربين حين ذاك، وكانت تخاف من الإبحار، ولم تكن تحسن لعب (الغولف)، وإن كانت جميلة كما قال لي بعض الناس (من الصعب أن تحكم على أمك في هذا المجال) فإن شكلها لم يكن من النوع الذي يعجب به أبي. كان يسمي النوعية التي يحب بالرائعات، ولاحقاً كان يسميهن الدُمَى. أمي لم تكن تضع أحمر شفاه، وحمّالات صدرها متدلية، وكانت تجدّل شعرها على هيئة ضفائر تظهر بياض جبينها، أما ملابسها فقد كانت متخلفة عن الموضة وغير متناسقة وفضفاضة. كانت نوعاً من النساء اللواتي يمكنك ان تتخيلهن وهنّ يرتدين عقداً من الدرر، لكنني متأكد أنها لم تفعل ذلك قط.

ما أردتُ قوله هو أنّي كنت مُبَرِرَاً لهما أو ربما نعمة، حيث هيئتُ لهما سبباً جاهزاً للشجار والمشاكل التي لا حل لها، تلك المشاكل التي أعادتهما الى طبيعتهما المختلفة منذ البداية، حين كانا في الواقع أكثر راحة. وفي كل سنواتي في القرية لم أواجه أي حالة طلاق، وبالتالي فإنه يمكن القول إنه كان هناك عدد من الأزواج الذين يعيشون منفصلين في منزل واحد، رجال ونساء قبلوا حقيقة أن هناك كلمات أو أفعال لا يمكن التسامح بشأنها، وبالتالي فإن العوالق بينهم لم تُغْسل أبداً.

يلي ذلك وكالمتوقع في قصة كهذه أن أبي كان مثل بقية رفاقه - كل حسب حالته - مدخناً شرِهاً، ومدمناً على الشراب. وبالتالي فقد أصيب بجلطة مع أنه كان في الخمسينيات من عمره، وتوفي بعد ذلك على سريره، ولم يكن مفاجئاً أن أمي هي من قام بتمريضه خلال هذه الفترة. أبقته في المنزل، وبدلاً من أن يكون لطيفاً ومقدراً جهدها معه كان يناديها بأسماء غبية، وكانت هذه التسميات تزداد قبحاً حسب تكهّناته بردّات فعلها، وكان ذلك ممتعاً بالنسبة له.

أثناء تشييع أبي قالت لي امرأة مسنّة: أمك قديسة. كرهت هذه المرأة فوراً، كنتُ حينئذٍ في سنتي الثانية في الكلية، لم انضم، أو بالأحرى لم أدع للانضمام إلى الاخوية التي كان أبي مشاركاً فيها. كان أصدقائي يخططون ليكونوا كتاباً أو ممثلين، كانوا نابهين، ومضيعو أوقات متمرسين، ونقاداً اجتماعيين عنيفين، وضالين جدد ولدو للتو. لم أكن أحب الناس الذين يتصرفون كقديسين، وفي الحقيقة فإن أمي أيضاً لم تكن كذلك، كانت بعيدة بما فيه الكفاية عن مفاهيم التقوى لدرجة أنها لم تطلب مني أبداً، وفي كل مرة كنت أعود فيها للمنزل أن أدخل لغرفة أبي وأقدم كلمة تصالح معه، لم تكن حمقاء.

أعتقد أن أمي كانت مغرمة بي، مع أننا كلانا لم ننطق بكلمة تعبّر عن ذلك، لكن لعل ذلك كان هو التعبير المناسب حتى بلوغي التاسعة من عمري. تولت تعليمي بنفسها، بعدها أرسلتني إلى مدرسة بعيدة، كان ذلك بمثابة كارثة بالنسبة لي، أمي أصبحت والدة الفتى الأرجواني، الولد الذي ألقِيَ به فجأة وسط حلقات التهكم والاعتداءات الغاشمة من قبل الشباب الغوغائيين. لكن أوقاتي لم تكن بذلك السوء، وحتى اليوم لا أعرف لماذا. كنت طويلاً وقوياً مقارنة بعمري، ولعل كوني كذلك قد ساعد بعض الشيء، وأعتقد أيضاً أن البيئة في بيتنا، والمناخ المَرَضي والشراسة والاشمئزاز القادمين من أبي الذي بالكاد كنت أراه، كل ذلك جعل أي مكان آخر معقولاً ومقبولاً أكثر من البيت. لم يبذل الطلاب جهداً ليكونوا لطفاء معي، في الحقيقة كان لي اسم في المدرسة – العنب بالمُكسرات - ولكل طالب اسم تحقيري غالباً، كان هناك صبي اسمه النتن بسبب رائحة أقدامه النتنة ويبدو أنه لم يكن يغسلهما يومياً. مضت أموري في المدرسة على ما يرام، كتبت لأمي رسائل هزلية، وأجابتني بنفس الأسلوب الساخر عن الاحداث في القرية وفي الكنيسة، ووصفت لي في إحدى رسائلها كما أتذكّر صفاً من النساء وقفن للحصول على بعض الشطائر للشاي، وأيضاً كتبتْ بسخرية ولكن بلا مرارة عن أحوال أبي، وكانت تشير إليه بعبارة ولي النعمة.

جعلتُ أبي وحشاً في قصتي حتى الآن، كما جعلتُ أمي الملجأ والمدافع، وأعتقد أن ذلك يمثل الحقيقة، لكن قبل ذهابي إلى المدرسة لم يكونا الشخصين الوحيدين في قصتي، كما إن البيئة في المنزل لم تكن هي البيئة الوحيدة التي أعرفها. لقد احتوت المأساة الكبيرة في حياتي أناساً آخرين كما أعتقد.

مأساة كبيرة، أربكني أن أكتب ذلك، أتساءل إن كان ذلك يبدو كهجاء رخيص، أو كلام ممل، أو تضخيم للذات. لكني أعود فأتساءل: أليس طبيعياً أن أرى حياتي بهذه الصورة على أن نأخذ في الاعتبار الطريقة التي أخترت أن أدير بها حياتي؟

أصبحت مُمَثِلاً، مفاجأة؟ بالتأكيد، في الكلية علِقتُ بأولئك الاشخاص الناشطين في المسرح، وفي سنتي الاخيرة بالكلية قمت بإخراج مسرحية. اخترعت نكتة عن كيفية اداء الدور مع إبقاء الجانب الصحيح من وجهي دائماً باتجاه الجمهور ثم العودة للخلف باتجاه خشبة المسرح إن لزم الأمر، لكن لم تكن هناك حاجة قوية إلى مثل هذه الحركات.

في تلك الأيام وفي مساءات الأحد ضمن برنامج إذاعي ناجح، كانت تُقدم بعض المسرحيات المقتبسة عن شكسبير وإبسن في الراديو القومي. في البداية حصلت على بعض الأدوار الصغيرة. صوتي كان ثابتاً وطبيعياً، وتطَور أدائي الصوتي مع بعض التمرين، كنت أظهر كل أسبوع تقريباً وعُرف اسمي من بعض الجمهور المتابعين، ولكن بالتأكيد لم تكن الأعداد كبيرة. لكن مع ظهور التلفزيون اختفت الاعمال المسرحية الإذاعية.

تفوقتُ في الاداء، وصنعتُ شخصية إذاعية مقبولة ومحبوبة، وأوصلني صوتي إلى مستويات فنية جيدة، وتمكنتُ من الحصول على عمل كمعلن، أولاً في (ويننبيج)، وبعد ذلك حين عدت إلى (تورنتو). وفي آخر عشرين سنة من حياتي الوظيفية كنت مقدماً للضيوف في برنامج استعراضي موسيقي يعرض أسبوعياً بعد الظهر. اختيار المقطوعات الموسيقية لم يكن قراري كما افترض الناس، فقد كان ذوقي الموسيقي محدوداً. كنّا نُسمع في جميع أنحاء البلاد، وتلقى البرنامج رسائل عديدة ومن جهات متنوعة، كنّا نُسمع في بيوت المسنين، والبيوت المخصصة للعميان، ومن الاشخاص الذين كانوا يقودون سياراتهم لمسافات بعيدة وطويلة في رحلات عمل، ومن ربات بيوت وحيدات ومشغولات بالطبخ أو كي الملابس، ومن مزارعين على تراكتوراتهم يحرثون أو يزرعون.

تدفق الإعجاب عليّ عندما تقاعدت، قال الناس إنهم بفقدي شعروا كأنهم فقدوا صديقاً مخلصاً أو فرداً من أفراد الأسرة، ما قصدوه هو أننا شغلنا أوقاتهم ولخمسة أيام في الأسبوع. لم نتركهم بلا هدف، ولهذا عبروا عن شعورهم بالامتنان الصادق ومشاعرهم الطيبة. وللمفاجأة، تعاطفت معهم، وكان عليّ أن انتبه فلا يحشرج صوتي وأنا أقرأ بعض تلك الرسائل على الهواء مباشرة.

اليوم. البرنامج واسمي أيضاً تلاشيا بسرعة. أصبح لي ارتباطات جديدة، وتوقفت عن النشاطات القديمة تماماً، رفضت المشاركة في جمع التبرعات للمشاريع الإنسانية أو تقديم خطب الحنين للماضي. توفيت أمي قبل تقاعدي بعد أن عاشت عمراً مديداً، لكني لم أبع بيت العائلة، قمت بتأجيره فقط، وأستعد الآن لبيعه بعد إعطاء تنبيه مكتوب للمستأجرين. لكنني قررت العيش هناك ريثما تتم اعادة ترتيب المكان - الحديقة خصوصاً - إلى وضعه الطبيعي.

في شبابي لم أكن وحيداً، بالإضافة إلى جمهوري، كان لديّ أصدقائي، وأيضاً كان لي امرأة. بالطبع هناك نساء متخصصات في نوع من الرجال يتخيّلنه مختلفاً، ويحببن أن يلتف مثل هؤلاء الرجال حولهن كعلامة تُبْرزُ تنوعهن واختلافهن. وكُنّ يراقبنني. المرأة التي كنتُ قريباً منها في هذه الفترة كانت عاملة استقبال في المحطة، امرأة لطيفة وحساسة تُركتْ لمصيرها مع أربعة أطفال. توقعنا أننا سنذهب للعيش معاً حالما يغادرها الأصغر من ابنائها، لكن الأصغر كانت فتاة، وكانت الفتاة تخطط لتكون أماً هي الأخرى ولم تكن تخطط لمغادرة المنزل، وبالتالي فإن توقعاتنا وعلاقتنا انهارت. تحادثنا بعد تقاعدي وعودتي إلى بيتي القديم، ودعوتها لزيارتي، ولكني فجأة علمت أنها تزوجتْ وستذهب للعيش في ايرلندا، خطر في بالي أن أسأل عما إذا كانت قد أخذت ابنتها معها وإن كانت الرضيعة قد ذهبت معهما أيضاً.

تعاني الحديقة من فوضى شاملة، مازال الجمال الخالد فيها يتعارك مع الاعشاب الضارة، ومازالت الأوراق الكبيرة كالمظلات ممزقة وتحجب مراكن الازهار القديمة والمتواجدة هنا منذ ستين أو سبعين عاماً، وهناك نصف دزينة من أشجار التفاح - من أصناف متنوعة نسيت أسماءها الآن - والمحملة بالثمر المدوّد. استغرق تنظيف المكان بعض الوقت، وأدى ذلك إلى تجمّع جبل من الاعشاب والمواد الضارة التي يجب نقلها بعيداً وعلى نفقتي الخاصة، إذ لم يعد حرق مثل هذه الأكوام مسموحاً به في القرية.

هذه الأعمال كان يقوم عليها في الماضي بستاني يدعى بِيِتْ، نسيت اسمه الأخير، كان يسحب قدماً وحيدة فيما كان رأسه يميل إلى جهة واحدة. لا أعرف فيما إذا كان قد تعرض لحادث أو أنه أصيب بجلطة. كان بِيِتْ يعمل ببطء لكن بجد، وفي كل أحواله كان في مزاج سيء. كانت أمي تحدثه بلطف واحترام وبصوت منخفض لكنه لم يكن يهتم بأفكارها ومقترحاتها حول مراكن الأزهار. ولم يكن يحبني لأني كنت دوماً أقود دراجتي حيث لا ينبغي أن أفعل، وربما كان يكرهني أيضاً لأنه كان يعرف أني أطلقت عليه اسم (بِيِتْ ذو الوجهين)، لا أعرف من أين أحضرت له هذا الاسم؟ هل كان ذلك من احدى المجلات الهزلية؟

سبب آخر لكرهه خطر لي الآن، وأعجب أنه لم يكن يخطر لي سابقاً. فقد كان كلانا يحمل صفة خلقية مشوهة، كلانا ضحية عاهة ما لسوء الحظ. لعلك تعتقد أن الاشخاص المصابين بالعاهات المتشابهة يتعاطفون مع بعضهم البعض، لكنهم في الغالب لا يفعلون، لأن كل منهم يذكّر الآخر بعاهة يود نسيانها.

غير أني لم أكن متأكداً إن هذه كانت حالتي، فأمي قد رتبت الأمور بحيث لم أكن أحس أو أشعر بحالتي، زَعَمتْ أنها قامت بتدريسي في البيت بسبب اعتلال صحتي ولحمايتي من الاطفال المشاغبين في المدرسة، هل صدقها أحد غيري؟ لا أدري. كما أن عدوانية أبي كانت قد عمت البيت، وبالتالي فلم أكن أشعر أنه قد تم استثنائي منها.

وهنا، مع المغامرة بتكرار نفسي، يجب أن أقول إن أمي قد قامت بالعمل الصحيح. لعل التركيز على عاهتي الواضحة، والمناكفة معها كان سيؤذيني في تلك السن المبكرة دون الحصول على ملجأ آوي إليه. الأمور تغيرت الآن، والتعامل مع طفل مبتلى بعاهة شبيهة أصبح أكثر فوضى، وأكثر مدعاة للمباهاة بدعوى التعامل بلطف وإن لم يكن هناك تهكم أو عزلة. لكن التعامل في الماضي وعلى طريقة أمي كان يستمد حيويته من الذكاء الفطري والتقاليد، ومن التعامل العفوي كما كانت تفعل.

قبل عقدين من الزمن وربما أكثر، كان هناك مبنى آخر في ملكيتنا، كوخ صغير حيث كان بِيِتْ يضعُ أدواته، وحيث كنّا نخزّن أشياء مختلفة استخدمت لمرة أو مرات ثم وضعت جانباً في هذا الكوخ ريثما يتم لاحقاً اتخاذ قرار بشأنها. لكن الكوخ سقط بعد فترة وجيزة من استبدال بِيِتْ بزوجين شابين نشيطين هما جيني وفرانز اللذان أحضرا معهما المعدات التي يحتاجانها في شاحنتهما، وعملا بعد ذلك في تسويق مواد وتجهيزات الحدائق، وفي هذا الوقت استطاعا إعداد ابنهما المراهق ليقوم بقص الأعشاب في الحديقة، لكن أمي كانت قد فقدت اهتمامها بمثل هذه الأعمال.

لكن لنعد إلى الكوخ – كم أدور واتحرك حول هذا الموضوع - في وقت ما كان يعيش في هذا الكوخ أناس قبل أن يتحول إلى مجرد مكان لحفظ الأشياء، أولاً كان هناك زوجين اسمهما بيلز، الزوجة هي الطباخ ومديرة المنزل، والزوج هو البستاني والسائق لجدي وجدتي. ملك جدي سيارة من نوع (باكرد) ولم يتعلم أبداً كيف يقودها. معاً (بيلز) والـ(باكارد) اختفيا مع الوقت، لكن بقي المكان حاملاً اسم كوخ بيلز.

ولسنوات في طفولتي فإن كوخ بيلز شُغِلَ بامرأة تدعى شارون ستلز وابنتها الصغيرة نانسي، جاءت شارون للقرية مع زوجها الطبيب الذي كان بصدد اجراء فحوصه الأولى للناس، ولكنه توفي بعد سنة واحدة نتيجة تسمم في الدم. وقررتْ شارون البقاء في القرية مع طفلتها، لم تكن تملك شيئاً من المال وكانت تُردد: أين الناس؟ ولعلها كانت تقصد الناس الذين يستطيعون مساعدتها أو أولئك الذين سيعرضون عليها البقاء معهم. ثم في مرحلة ما حصلت على عمل في مكتب والدي للتأمين، وجاءت للعيش في كوخ بيلز. لست متأكداً متى حدث ذلك بالضبط. كم كان عمر نانسي عندما عرفتها للمرة الأولى؟ هل كان ثلاث سنوات فقط؟ أربعة غالباً، كانت أصغر مني بنصف سنة. لكن لا أتذكّر تحديداً متى انتقلوا للعيش هنا أو أي شيء يتعلق بالكوخ عندما كان خالياً قبل حضورهم. تم دهن الكوخ في ذلك الوقت باللون الوردي المطفي، ودائماً كنت أعتقد أن ذلك هو اختيار السيدة ستلز لأنها لم تتمكن من العيش في سكن بلون آخر.

بالطبع، كنت أدعوها السيدة ستلز مع أني كنت أعرف اسمها الأول وهو أمر نادر بالنسبة لي، أي أن أعرف الاسم الأول لسيدة صغيرة. وشارون كان اسماً غير معروف في تلك الأيام ولكنه ارتبط بترنيمة كنت أعرفها من أيام مدرسة الأحد التي كانت أمي تسمح لي بحضورها لوجود مراقبة قريبة. كنا نغني الترانيم وكانت كلماتها تعرض على شاشة أمامنا، وبالتالي فإننا في الغالب كنا نتعرف على شكل الكلمة حتى قبل أن نستطيع قراءتها، ونأخذ فكرة عن شكل البيت من شكله أمامنا.

عند الغدير الظليل البارد
ما أحلى نمو الزنبق
ما أحلي أنفاس الوردة عند التل
وردة شارون الندية.

لم أستطع تصديق أن هناك وردة في ركن الشاشة أثناء إلقاء الترنيمة، لكنني الآن أرى واحدة - رأيت واحدة - وردية، ورائحتها كانت تنتقل إليّ عبر اسم (شارون).

لا أريد أن أقول إني وقعت في حب شارون ستلز، كنت مُحباً فور فطامي من الرضاعة، أحببت خادمة شابة مسترجلة تدعى بيسي، أخذتني بيسي لنزهة في عربة أطفال إلى حديقة عامة، وهناك وضعتني على أرجوحة ورفعتني إلى أقصى قمة يمكن الوصول إليها. وفي وقت آخر أحببت صديقة لأمي ترتدي معطفاً بياقة مخملية وبدا لي صوتها وكأنه ينتمي إلى تلك الياقة، صوت مخملي.

لم تكن شارون ستلز ممن تقع في حبهن بهذه الطريقة، لم يكن صوتها مخملياً، ولم تكن لتهتم بالتنزه معي. كانت طويلة وهزيلة جداً بالنسبة لأم، ولم يكن هناك انحناءات في جسمها. شعرها بلون (التوفي)، بُنّي مع أطراف ذهبية. أما أحمر الشفاه الخاص بها فقد كان أحمر فاتحاً ويبدو كثيفاً مثل ممثلات السينما التي كنت أرى وجوههن في الملصقات الإعلانية. وعندما كانت تتجول خارج بيتها كانت ترتدي (الكيمونو) مرسوماً عليه بعض الطيور، لقالق؟ كما أعتقد. كانت سيقان الطيور تذكّرني بساقيها. وكانت تمضي الكثير من الوقت متمددة على كرسي طويل، تدخن، وأحياناً كي تضحكنا أو تُضْحك نفسها كانت ترفع ساقيها على التوالي لتطيّر منهما نعليها المكسوتان بالريش. عندما لا تكون غاضبة منّا فإن صوتها كان خشناً ومستاءً، لم يكن صوتاً صديقاً. ولا يمكن القول بأنه كان رقيقاً أو هادئاً أو حزيناً كما كنت أتوقع من صوت أم.

كانت تنادينا: أيها الاغبياء الحمقى، انصرفوا من هنا ودعوني أعش بسلام أيها الاغبياء الحمقى.

تقول ذلك، وهي متمددة على الكرسي الطويل، ومنفضة السجائر على بطنها، بينما ألعب أنا ونانسي بالسيارات على الأرضية. كم من السلام كانت تحتاج؟

كانت ونانسي تأكلان طعاماً غريباً وفي أوقات غير منتظمة، وعندما كانت تذهب إلى المطبخ لتحضّر لنفسها أكلة سريعة لم تكن تجلب لنا شيئاً. وفي المقابل فإنها لم تكن تحرم نانسي من ملعقة من شوربة الخضار، أو بعض المعلبات الأخرى.

هل كانت شارون خليلة والدي؟ بناءً على العمل الذي وفره لها في مكتبه، أو الكوخ الوردي الذي أسكنها فيه مجاناً؟

كانت أمي تتكلم عنها بلطف، وبين حين وآخر كانت تتذكر المأساة التي حصلت لها بوفاة زوجها الشاب. ودائماً، ومع كل خادمة عملت لدينا كانت أمي ترسل لها بعض الهدايا الصغيرة من حديقتنا مثل التوت أو البطاطا الطازجة أو البازلاء المقشرة. تحديداً أتذكّر البازلاء لأني مازلت أرى شارون ستلز متمددة على كرسيها الطويل وتحذف حبات البازلاء في الهواء بسبابتها مرددة: ما المفترض أن أعمل بهذا؟

قلت لها: تطبخينه على الفرن مع الماء.
أجابتني: هل تمزح؟

وبالنسبة لأبي، فإنني أبداً لم أره معها. كان يغادر للعمل متأخراً ويعود منه مبكراً ليواصل نشاطاته الرياضية المختلفة.

بالتأكيد، كان هناك أوقات لم تكن أم نانسي في المنزل، لم تكن تلبس (الكيمونو) أو تتمدد على الكرسي الطويل، ومن الممكن أن أفترض أنها في مثل هذه الأوقات لم تكن تدخن أو تستريح، بل تؤدي عملاً في مكتب والدي، ذلك المكان المميز الذي لم أره أبداً، وبالتأكيد لم يكن مُرَحَباً بي فيه.

في تلك الأوقات، كان هناك امرأة عابسة دائماً تدعى السيدة كوود تجلس في مطبخ الكوخ، وتستمع عبر الراديو إلى الأوبرا، وتأكل أي شيء تطاله يداها. ولم يخطر لي، لأني كنت ونانسي نمضي كل أوقاتنا معاً بأن أمي وظفت امرأة لمراقبتي ومراقبة نانسي أيضاً، لا أدري لمَ لمْ تكلف الخادمة بذلك لتوفر تكلفة تعيين السيدة كوود.

كنا نلعب معاً في جميع ساعات العمل المتاحة لنا، وامتد ذلك منذ كنت في الخامسة من عمري حتى بلغت الثامنة والنصف. كنا نلعب خارج بيتنا، ولا بد أن الأيام التي كنا نلعب بها في كوخ نانسي ونزعج أمها كانت أياماً ممطرة. وكان من المفترض أن نبتعد عن حديقة الخضروات وألا نقطف الأزهار، لكننا كنا وبصفة متواصلة ندخل ونخرج حيث أشجار التوت والتفاح، وكنا نلعب بقذف صواريخنا من مواقعنا العسكرية، مختبئين عن الألمان في الغابة خلف الكوخ.

في الواقع كانت هناك قاعدة تدريب شمال قريتنا، وكانت الطائرات الحقيقية تحلق فوق رؤوسنا، وبسبب كل هذه التذكيرات بالحرب اخترنا أن نجعل بِيِتْ ليس العدو الداخلي فحسب، بل جعلناه نازياً أيضاً، وجعلنا آلته لجز العشب دبابة، ثم قمنا بقذفه بالتفاح من أعلى شجرة. وفي إحدى المرات أشتكى لأمي، وكلّفنا ذلك خسارة رحلة إلى الشاطئ.

غالباً ما كانت أمي تأخذ نانسي معنا إلى الشاطئ، ليس ذلك القريب من بيتنا عبر التل، لكن إلى شاطئ أصغر، نصل إليه بسيارة. ولم يكن فيه سبّاحين مشاكسين، أو متزلجين على الماء. هناك علمتّنا أمي السباحة.

أزعجني أن نانسي كانت أقل خوفاً وأكثر تهوراً مني، ودفعني ذلك لسحبها تحت موجة قادمة والجلوس على رأسها. رفسَتْ وامسَكَت أنفاسها واستطاعت تخليص نفسها. وبختني أمي قائلة: نانسي، فتاة صغيرة، عليك أن تعاملها كأختك الصغيرة. وكان ذلك ما فعلته بالضبط، لم أعد أفكر فيها على أنها كائن أضعف مني. أصغر نعم، لكن في بعض الأحيان يكون ذلك مفيداً. عندما كنّا نتسلق الأشجار، كان يمكنها التعلق كالقردة على الاغصان ولم يكن ذلك بمقدوري. وفي إحدى مشاجراتنا عضّتني على ذراعي المقيدة حتى خرج الدم. حينئذٍ، افترقنا لمدة أسبوع لكن ظهورنا عبر النوافذ أصبح شوقاً وحنيناً، ومن ثم فقد أوقفنا هذه المقاطعة.

في الشتاء سمح لنا بالتجول في كامل مباني الملكية، بنينا حصوناً ثلجية غرسنا خلالها أعواداً من أخشاب الوقود، وقذائف من كرات الثلج لرمي المارة القليلين في نهاية شارعنا، وصنعنا رجل ثلج، لكننا لم نستطع لكمه.

وماذا عن ألعاب الجنس؟ ربما تتساءلون. نعم لقد كان لدينا ذلك أيضاً. كنتُ قد تحدثت عن مخابئنا، في أحد الأيام الحارة جداً، وفي خيمة وٍراء الكوخ هُجرتْ منذ زمن -لا أعرف لماذا-، زحفنا إلى هناك بهدف اكتشاف بعضنا. كان للمكان غوايته، لكن الغواية للأطفال رائحة وألوان فقط، مثل الملابس الداخلية التي قمنا بخلعها. أثارتنا بعض المداعبات، بعد ذلك جعلتنا مختلفين، عرقنا فوراً، وشعرنا بالحكة والعار، وعندما خرجنا من هناك شعرنا بالاغتراب أكثر مما اعتدنا عليه، وصرنا أكثر حذراً تجاه بعضنا. لا أتذكّر إن كان ذلك قد حصل مرة أخرى، لكنّي لن أتفاجأ إن كان قد حصل، متوقعاً النتيجة نفسها.

لا أستطيع أن استحضر في ذاكرتي وجه نانسي بصورة واضحة كما أفعل مع وجه أمها. أعتقد أن لون بشرتها كان، أو كان سيكون مع الوقت شبيهاً ببشرة أمها. شعر أشقر باهت بسبب البقاء الطويل تحت الشمس، ربما تحول أخيراً إلى اللون البني. بشرة زهرية، ربما حمراء. نعم، أستطيع أن أرى حمرة خديها، تماماً كأنهما قد رسمتا بالشمع. كان هذا بسبب الوقت الذي امضيناه خارج البيت، وبسبب حيويتها الفائقة.

في بيتنا، تجري الامور بنظام، سمح لنا بدخول كل الغرف باستثناء تلك التي حدد لنا مسبقاً أنها ممنوعة. لم نكن نحلم بالذهاب إلى الطوابق العليا، أو دخول غرفة الجلوس أو غرفة الطعام. وفي المقابل فإن كل مكان في الكوخ كان مسموحاً به، أما القبو فقد كان مكاناً جيداً للذهاب حين نكون متعبين من حر الظهيرة. لم يكن هناك سياج على درجات القبو، وكنا نتجرأ على القفز من الدرجات إلى الارضية الصلبة القذرة. وعندما كنا نمل من ذلك كنا نركب ظهر خشبة، نرتفع وننزل بدون الزنبرك النابض، ونجلد الحصان المُتخَيّل. حاولنا ذات مرة تدخين سجائر أحضرتها نانسي من علبة أمها (لم نجرؤ على أخذ أكثر من سيجارة واحدة من العلبة)، واستطاعت نانسي التدخين أفضل منّي بسبب تجربتها الأطول.

في القبو، كان هناك أيضاً دولاب خشبي متهالك حوى عدداً من علب الصبغ والورنيش الناشفة، ومجموعة من فُرَش الصبغ المتصلبة، وعصي لتحريك الفُرش، ومسطحات لتعديل الألوان، او تجفيف الفرش. وعلب قليلة ما تزال أغطيتها مقفلة، حاولنا فتحها، وبصعوبة استطعنا أن نفعل ذلك. اكتشفنا أصباغاً يمكن تحريكها لدرجة لزوجة مقبولة. بعد ذلك أمضيّنا بعض الوقت في محاولة تخفيف صلابة الفرش عبر إدخالها في الصبغ ثم ضربها بحواف الدولاب، أحدثنا بعض الفوضى لكن بدون نتائج مرغوبة. أحد هذه العلب كان يحوي زيت (التربنتين) الذي عمل بطريقة أفضل، الآن بدأنا الدهان بهذه الفرش التي اصبحت قابلة للاستعمال. كنت في الثامنة من عمري حينئذٍ، وكنت أستطيع القراءة والكتابة بعض الشيء، شكراً لأمي، نانسي تستطيع أيضاً، لأنها كانت قد أنهت سنتها الدراسية الثانية.

قلت لها: لا تنظري حتى انتهي.
ودفعتها بلطف، كنت أفكر بشيء أكتبه بالأصباغ. لكنها كانت مشغولة على أي حال، تغمس فرشاتها في علبة من الصبغ الأحمر.

كتبتُ: النازي كان في هذا القبو.
قلت: الآن أنظري.
جعلت ظهرها باتجاهي فيما كانت الفرشاة باتجاهها.
قالت: أنا مشغولة.
حين استدارت نحوي، كان وجهها ملطخاً بالصبغ الأحمر.
قالت: الآن، هل أبدو مثلك، هل أبدو مثلك؟

كانت مبتهجة جداً، وكأنها صنعت ما يشبه المعجزة، تحول جذّاب. شيء يشعرك بأنها فعلت شيئاً كانت تتمناه طوال حياتها.

الان، يجب عليّ أن أشرح لكم ما الذي حدث خلال الدقائق القليلة التالية.

بالدرجة الأولى، أحسست أن تصرفها كان مريعاً. لم أكن أصدق أن أي جزء من وجهي كان أحمراً. وفي الحقيقة لم يكن كذلك، النصف الملون كان بلون التوت البري. لكن لم يكن ذلك ما أراه في مخيلتي، كنتُ مؤمناً بأن هذه العلامة تميل إلى البني الفاتح.

لم تفعل أمي أي شيء غبي أو مأساوي كأن تحرم المرايا في بيتنا، لكن المرايا كانت معلقة بارتفاع يصعب معه على أي طفل أن يرى شكله خلالها. وكذلك كان الأمر حتى في مرايا الحمام. المكان الوحيد الذي كان يُمكِنني أن أرى وجهي فيه كان مرآة معلقة في صالة البيت الأمامية وكانت باهتة في ضوء النهار، وباهتة بسبب الضوء الضعيف في المساء. وربما بسبب ذلك تكونت لدي فكرة أن نصف وجهي كان باهتاً، بلون هادئ، كأنه مغطى بالفرو.

هذا ما كنتُ عليه، وهذا ما جعل لطخ نانسي لوجهها بالصبغ الأحمر نكتة خبيثة وإهانة بالغة. دفعتُها باتجاه الدولاب بأقصى قوة، وركضتُ بعيداً عنها، ثم صعدت الدرج. أعتقد أني كنت أركض بحثاً عن مرآة، او إنسان يستطيع إخباري إنها كانت مخطئة، وإذا تأكد ذلك فسأصر أسناني كرهاً لها. وسأعاقبها، كيف؟ لم يكن لدي وقت للتفكير بالطريقة حينئذٍ.

خرجت من القبو، عبرت داخل الكوخ، لم ألمح أم نانسي في أي مكان بالكوخ، رغم أنه كان يوم سبت، مررت باتجاه المدخل المحصّب، ثم الممر المرصوف بالبلاط. عندها رأيت أمي تقرأ في شرْفة بيتنا الخلفية. لستُ أحمراً، كنت اصرخُ متألماً دامع العينين. نزلت أمي عبر درج البيت بوجه مرتبك، وحتى تلك اللحظة لم تكن تدري ما القصة، وعلى إثري كانت نانسي تركض مندهشة بوجه مبهرج.

حين رأتها أمي، فهمت ما حدث.

أيتها البهيمة الصغيرة، القذرة. صرخت أمي في نانسي بصوت لم أسمعه أبداً من قبل، صوت مرتفع، موحش، مفزع. لا تقتربي منا، لا تجرُئي على ذلك، أنت فتاة سيئة، سيئة جداً، أنت لا تتمتعين بأي لطف، بلا حس إنساني كريم، هل تتمتعين بذلك؟ أنت بلا تربية.

جاءت أم نانسي من الكوخ، كان شعرها مبللاً مع خصلات رطبة تغطي عينيها، وكانت ممسكة بمنشفة، قالت: يا الله، لا أستطيع حتى غسل شعري في هذا المكان. صرخت أمي في وجهها: كيف تجرئين على استخدام هذه اللغة أمامي وأمام ابني؟ أجابت أم نانسي فوراً: أوه، يا سلام، منذ سمعتك وأنت تصرخين وتهزين رأسك. أخذت أمي نفساً عميقاً وقالت: لا أصرخ، لكني أردت أن أخبر ابنتك المتوحشة إنها غير مرحب بها في بيتنا أبداً، إنها خبيثة، طفلة متوحشة عيّرت ابني الصغير على حادث تسببت فيه الطبيعة ولم يكن له يد فيه، لم تربي ابنتك على أي شيء، على أي أسلوب، هي حتى لم تشكرني حين أخذتها معنا إلى الشاطئ، لا تعرف أصلاً كيف تقول: من فضلك، أو كيف تقول: شكراً. ولا عجب في ذلك مع أم تتباهى بالدوران حول البيوت ملتفة بلحاف. كل تلك الكلمات خرجت من أمي مع وابل من غضب وألم لم يتوقفا أبداً، وحتى تلك اللحظة كنت أسحب ثوبها قائلاً: توقفي، توقفي.

بعد ذلك، أصبحت الأمور أسوأ، نزلت دموع أمي، وكتمت كلماتها، وبدت مصدومة بما حدث. رفعت أم نانسي شعرها المبلول عن عينيها ووقفت تراقب ثم قالت: سأخبرك بشيء، واصلي الصراخ بهذه الطريقة وسينقلونك لتعيشي وحيدة في صومعة، ثم كيف أستطيع المساعدة إذا كان زوجك يكرهك، وإذا كنت قد انجبت ولداً بوجه مشوّه؟

"آه، آه،" رددت أمي بعد أن أمسكت رأسها بكلتا يديها وكأنما كان الألم يلتهمها التهاماً.

هنا خرجت فيلما، المرأة التي كانت تعمل لدينا من الشرْفة قائلة: سيدتي، تعالي للداخل، سيدتي. ثم رفعت صوتها قائلة لأم نانسي:

- اذهبي، اذهبي إلى بيتك، أنت مطرودة.
- أوه، سأفعل لا تخافي، سأفعل، لكن من تظنين نفسك لتعلميني ما الذي عليّ فعله، وكيف هو شعورك بالعمل لبومة؟ بعد ذلك التفتت إلى نانسي قائلة:
- يا الله، كيف سأستطيع تنظيفك؟ ثم رفعت صوتها مرة أخرى للتأكد أني أسمع ما ستقوله: إنه بائس، انظري إليه كيف تعلق بالبومة، عزيزتي لن تلعبي معه مرة أخرى ابداً، ابن البومة.

ومع كل ما جرى كانت نانسي متفاجئة، ولم يصدر عنها أي صوت. حاولنا، فيلما من جهة، وأنا من جهة أخرى إدخال أمي إلى البيت، توقفَتْ عن اصدار الصوت المخيف. انتصبت وتكلمت بصوت غير طبيعي ومنخفض: هلّا أحضرت لي مقص الحديقة من فضلك فيلما؟ طالما أنا هنا فعليّ تشذيب بعض الأعشاب، بعضها أصبح ذاوياً. بعد أن قالت ذلك تفرق الجميع ذابلين ومزدهرين.

كل ذلك حصل في يوم السبت كما قلت، لأن أم نانسي كانت هناك، وكذلك فيلما التي لم تكن تحضر أيام الأحد. يوم الإثنين وربما قبل ذلك أصبح الكوخ فارغاً، لعل فيلما أخبرت أبي بما حدث في النادي، أو في الحقل، أو في أي مكان آخر كان متواجداً فيه. ولذلك عاد إلى البيت متضايقاً فظاً، وأخيراً خاضعاً بشأن طرد نانسي وأمها. لم تخلق أم نانسي أي مشكلة وهي تغادر.

ببطء نسيت حقيقة أنني لن أرى نانسي مرة أخرى، في البداية كنت غاضباً منها ولم أهتم، بعد ذلك عندما سألت عنها أجابتني أمي ببعض الإجابات الغامضة، لم ترد أن استعيد المشهد المؤلم لي ولها. في هذه الوقت أصْبحَت جادة في أهمية إرسالي بعيداً إلى مدرسة، وبدأت في البحث عن مكان مناسب لي مدفوعة باعتقادها أنه بذهابي إلى مدرسة للأولاد فإن ذاكرتي المترعة بذكرى سيئة مع الفتاة ستتخلص من تلك الذكرى، كان اعتقاداً بلا جدوى، بل كان سخيفاً.

في اليوم التالي بعد تشييعنا لجثمان أبي، فاجأتني أمي بسؤالها عن امكانية تناول العشاء معاً (هي من كان سيأخذني) في مطعم قريب على الشاطئ. قالت: أشعر أني مكثت كثيراً في هذا البيت، وأحتاج تنفس بعض الهواء النقي. في المطعم تلفتت بحذر، وأعلنت أخيراً أنها لا تعرف أحداً هنا، ثم سألتْ: هل نشرب كأساً من النبيذ معاً؟ سألتُ نفسي: هل قطعنا كل هذه المسافة لنشرب كأساً في مكان عام؟ عندما وصل ما طلبناه قالت لي: هناك أمر يجبُ أن أخبرك به.

بدا ما ستقوله وكأنه من نوعية تلك الكلمات التي لا يود أحد سماعها أبداً، وهناك فرصة في أن يكون ما ستسمعه مملاً، وحين تسمعها قد يكون هناك بعض التوقعات التي قد يتسامح بها آخرون ولا تفعل أنت، قلت لأمي: يا إلهي لا تقولي إنه لم يكن أبي الحقيقي؟

أجابت: لا تكن سخيفاً، هل تتذكر صديقتك الصغيرة نانسي؟
في الحقيقة للحظات لم أتذكر، بعد ذلك تذكرت بشكل باهت.

في هذه المرحلة من حياتي كانت جميع محادثاتي مع امي تتطلب قدراً من الحذر المسبق. كان عليّ أن أكون مرحاً، ضحوكاَ، هادئاً. كان في وجهها وصوتها مسحة حزن. أبداً لم تشتك أمي من أشياء تخصُها، لكن دائماً كان هناك أشياء محزنة في قصص الاشخاص البائسين الذين تحكي لي قصصهم. كنت أعود بقلب مثقل، وكان عليّ أن أحمل قلقاً عميقاً عندما أعود إلى أصدقائي وحياتي السعيدة.

لم يكن مطلوباً مني أن أتفاعل مع كل قصة، لعل كل ما كانت تطلبه أمي هو احساسي بالتعاطف، أو إبداء بعض مظاهر الرقة، لم أكن أعطيها كل ذلك. كانت امرأة صعبة الارضاء، ولم ترهقها سنوات العمر بعد. لكني كنت دوماً مستنداً إليها وكأنها محجر صحي. لقد كبلتني بمشاعر عاطفية بدت لي كقيود لا أستطيع أن أخسرها، قيود ربطتني بها منذ كنت جنيناً في رحمها.

قالت أمي: ربما كنت ستعرف ذلك لو بقيت في البيت. لكننا أرسلناك للمدرسة بعد فترة قصيرة. فهمت من أمي أن نانسي وأمها غادرتا للعيش في شقة يملكها أبي في المنطقة. وهناك، وفي أحد صباحات الربيع، جاءت أم نانسي لتجد أن ابنتها قامت بشق خدها بالموسى في الحمام. تناثر الدم على أرضية الحمام وحوض الغسل وعلى جسم نانسي أيضاً، لكنها مع ذلك واصلت إيذاء نفسها دون أن تصدر عنها صرخة ألم.

كيف عرفت أمي ذلك كله؟ أتوقع أن تلك القصة كانت المأساة المحكية في القرية لفترة، حكاية دامية بمعنى الكلمة، ومن الصعب معرفة تفاصيلها.

قامت أم نانسي بلف منشفة حول وجه ابنتها، وبطريقة ما أوصلتها إلى المستشفى، لم تكن هناك سيارة اسعاف في قريتنا حينذاك. ربما لوحت لسيّارة مارّة. لماذا لم تتصل بأبي؟ لا يهم، لكنها لم تفعل. الجرح لم يكن عميقاً وخسارة الدم لم تكن كبيرة، وباستثناء الشق لم تتأذ أياً من الأوعية الدموية. واصلت أم نانسي توبيخ ابنتها على ما فعلته، قالت: هل أنت مخبولة، وواصلت: أنت حظّي من هذا العالم.

قالت أمي: طفلة مجنونة مثلك، لو كانت هناك أنشطة اجتماعية في تلك الفترة، لحصلت الفتاة المسكينة على وصاية اجتماعية خاصة بالأطفال. وواصلتْ: نالت ندبة على نفس الخد، صارت تشبهُك.

حاولت أن أكون هادئاً، وتظاهرت بأني لا أرغب في معرفة ما تقوله، لكن كان من الواجب عليّ أن أتكلم، قلت: لكن الصبغ غطى وجهها بالكامل. قالت أمي: صحيح، لكنها كانت أكثر حذراً هذه المرة، شقّت هذا الخد فقط، وحاولت قدر الامكان أن يحولها الشق إلى شبيهة بك. هذه المرة قررتُ أن أكون هادئاً.

- لو كانت ولداً لاختلف الأمر، قالت أمي، لكنه أمر مؤلم بالنسبة لفتاة.
- العمليات الجراحية التجميلية تصلح كثير من الأشياء هذه الأيام.
- آه، ربما يستطيعون ذلك. بعد لحظات أضافت: الأطفال يحملون مشاعر رقيقة، ولكنهم يتجاوزون ذلك حين يكبرون.

قالت إنها لم تعرف ماذا حصل للطفلة وأمها بعد ذلك، لكنها كانت سعيدة بأني لم أسألها عنهم أبداً. لأنها كانت تكره إخباري عن مصائب الناس عندما كنتُ لا أزال صغيراً.

لا أدري ما إذا كان ذلك سيعني شيئاً، لكن أمي تغيرت كثيراً بعدما كبُرتْ في السن، صارت بذيئة اللسان، وغريبة الأطوار، وزعمت إن والدي كان عاشقاً رائعاً، لكنها هي كانت فتاة سيئة، وصرّحت ذات مرة بأنه يجب عليّ أن أتزوج تلك الفتاة (التي شقّت وجهها) لأنه لن يكون بمقدور أي منا المزايدة على الآخر، وأيضاً سيكون في ذلك احساناً لكلينا. أحدُنا سيكون تماماً مثل الآخر.

وافقتُ أمي في طريقة تفكيرها. حقاً، لعلي كنتُ حينئذٍ أشبه نانسي بعض الشيء.

قبل أيام، بينما كنت أقوم بإزالة بعض التفاح المتعفن من تحت شجرة قديمة لدغني دبّور، اللدغة كانت على جفني الذي انتفخ حتى غطى عيني بالكامل. حملت نفسي الى المستشفى مستخدماً العين الأخرى، (العين المصابة كانت على الجانب الصحيح من وجهي)، تم إعطائي حقنة وغُطيّت العينين معاً حتى لا تتأثر العين الصحيحة، وفوجئت حين طُلب مني البقاء في المستشفى طوال الليل.

أمضيت ليلة غير مريحة، متيقظ غالباً. وبالطبع، لم يكن المستشفى هادئاً. وفي هذا الوقت القصير ولكوني لا أرى، أحسست أن حاسة السمع لدي قد تضخمت. سمعت خطوات عند غرفتي، عرفت أنها خطوات امرأة، وعرفت أيضاً أنها لم تكن ممرضة.

- هل انت مستيقظ؟ أنا قارئتك.

اعتدلتُ على الكرسي ذا الذراعين، معتقداً انها جاءت لتقرأ ما يعرف بالتعليمات الضرورية.

- لا، لا، قالت بصوتها المحافظ، أتيت لأقرأ عليك أشياء أخرى، إن أحببت، أحياناً يمل الناس حين تُغطّى عيونهم.
- هل يختارون موضوع القراءة؟
- هم يفعلون ذلك أحياناً، أحمل رزمة من الأشياء.
- أحب الشعر.
- لا تبدو متحمساً.

كان ذلك صحيحاً، وعرفت لماذا، كان لدي تجربة بقراءة الشعر بصوت مرتفع في الراديو، والاستماع إلى الاصوات المدربة، وكانت هناك اساليب مختلفة في القراءة، بعضها كان محبباً، وبعضها كان كريهاً.

- إذاً يمكننا أن نلعب لعبة، سأقرأ سطراً أو سطرين ثم أتوقف لنرى ما إذا كنت تستطيع قراءة السطر التالي، هل يناسبك ذلك؟

راودني إحساس بأنها قد تكون شابة صغيرة، متلهفة للحصول على آراء الناس للنجاح في الحصول على عمل. قلت: يناسبني، لكن لا شيء من الانجليزية القديمة. بَدأتْ متسائلة.

- الملك جلس في قرية دونفرملين.
- وأنا أشرب كأس النبيذ الأحمر.

انسجمت مع ذلك وواصلت بروح مرحة، قرَأتْ بما فيه الكفاية كالأطفال، وبدأتُ أستمتعُ بسماع صوتي، وبين الفينة والأخرى كنت أزهو بالقراءة كالممثلين.

- هذا لطيف. سأريك كيف ينمو السوسن، على الشواطئ الإيطالية.
- هل (الكلمة) ينمو أو يهُب؟
- في الحقيقة لا يوجد لديّ كتاب، لكن لا بأس، إنه محبب، دوماً كنت أحب سماع صوتك في الراديو.
- حقاً، هل تسمعيني؟
- طبعاً، كثيرون يفعلون ذلك.
توقفت عن تزويدي بالأسطر وتركتني أقرأ: شاطئ دوفر، كوبلا خان والرياح الغربية والبجعة المتوحشة والشباب الهالك، ربما ليست كلها وليس إلى النهاية.
- تقطّعتْ أنفاسك.
ثم فجأة وضعت يدها الصغيرة على فمي، ووجهها أو جانب منه على وجهي.
- يجب أن أذهب، لكن هنا واحدة أخرى قبل أن أذهب، وسأجعلها أصعب بعدم البدء من المقدمة، (لن يندبك أحد طويلاً، يصلي لك، يفتقدك، وسيبقى مكانك فارغاً.)
- لم أسمع هذا من قبل، قلت لها.
- متأكد؟
- بالتأكيد، لقد فزتِ.

حتى الآن، شككتُ في شيء، بدتْ شاحبة، اعترضت قليلاً. سمعت نداءات الأوز وهي تطير فوق المستشفى، كانوا يجرون بعض المسابقات في هذا الوقت من السنة، طالت الاشواط، وذهبت الطيور، وعندها استيقظت، رافقني شعور مدهش، ذلك الشعور بالسخط الذي يتبع الحلم المقنّع، أردتُ العودة للخلف حتى يلتصق خدها بخدي مرة اخرى، لكن الأحلام لا تعود بمثل هذه البهجة.

عندما أبصرت مرة أخرى، كنت في المنزل، بحثت عن الأبيات التي قَرَأتْها عليّ في حلمي، راجعت مجموعة من المختارات الأدبية، لكني لم أجدها هناك، بدأت أشك في أن الكلمات ليست من قصيدة، لكنها اخترعتْ في الحلم لتحيّرني. لكن من اخترعها؟

بعد ذلك، في الخريف، وبينما كنت أجمع بعض الكتب القديمة للتبرع بها للأعمال الخيرية، سقطت ورقة بنّية من أحد الكتب، مع كلمات كتبت بالقلم الرصاص، لم يكن خط أمي، ولا أعتقد أنه كان خط أبي، خط من إذاً؟ لا أعرف. من وضع اسم المؤلف أخيراً، والتر دي لامار. لا عنوان، ولم يكن من الشعراء الذين أعرف شيئاً عنهم، لكن لابد أني رأيت القصيدة في وقت ما، ربما ليس في هذه الطبعة، ربما في كتاب، وربما دفنتُ الكلمات في مكان ما من سراديب عقلي، لكن لماذا؟ ربما لأزعج نفسي بها، أو لتفعل ذلك فتاة متوهَمَة في حلم؟

لا حزن
وتلتئم جراح الزمن
لا خسارة، ولا غدر يتجاوزان قدرتنا على الاصلاح
عالج الروح إذاً.
قد يكون الجرح غائراً
جرح المحبين من الحب
وكل ما يتقاسمونه
أنظر،
الشمس الجميلة تشرق
وتوقف المطر
الأزهار تفاخر بجمالها
واليوم بدا صافياً.
تأمل بسكينة
في الحب، في الواجب، في الاصدقاء المنسيين
ربما ينتظرون حيث الحياة والموت يصبح لهما مغزى.
لن يندبك أحد طويلاً
يصلي لك، يفتقدك
وسيبقى مكانك فارغاً.

لم تصبني القصيدة بالاكتئاب، لكنها ربما جعلتني أتراجع عن قرار كنت اتخذته في ذلك الوقت ببيع الملكية، قررت ألا أبيع الملكية، سأمكث بها. شيءٌ ما حدث هنا. في حياتنا هناك أماكن قليلة، بل ربما مكان واحد حدث فيه شيء. بعد ذلك هناك الأماكن الأخرى، التي هي فقط أماكن أخرى.

ربما سألتقي بنانسي المرقطة بعد كل تلك السنوات فجأة في المترو بتورنتو، وكلانا يحمل علامته المميزة. ولعلنا وفق جميع الاحتمالات سندير أحد تلك الحوارات المرتبكة الخالية من المعنى، وبسرعة سنتبادل بعض المعلومات العادية، وسألحظ الخد المرمم، لعله أصبح خداً صحيحاً، أو مجرد ندبة في الوجه، لكن لن يأتي ذلك ضمن الحديث. قد نتذكر الطفولة، لكن ليس لنتساءل هل تم إصلاح وجهها أو لم يتم. ربما سنتحدث عن الأحفاد. أو العمل. ربما لن أحدثها عنّي، ربما سنفاجأ بأشياء كثيرة، وربما سنحاول إنهاء الحديث كله والانصراف بعيداً.

هل تعتقد أن ذلك كان سيغيّر الاشياء؟

طبعاً،
وربما للحظات،
وربما أبداً.

* Alice Munro (1931- )
قاصة كندية تخصصت في كتابة القصة القصيرة التي أوصلتها لنيل نوبل في الأدب عام 2013، وتعد حالياً بين الأفضل من كتاب هذا النوع الأدبي.
عبدالواحد اليحيائي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16 - 02 - 2017, 11:04 PM   #2
ود
ووضعنا عنك وزرك
 
الصورة الرمزية ود
 
تاريخ التسجيل: 10 - 2001
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 14,782
تستحق منك استاذ عبدالواحد اليس مونرو هذا الجهد الذي انت جدير به بلا شك
لقد قرأت النص بلغته الاصلية وأرى انك قمت بعمل جميل وصغته بحرفية
شكرا لأنك شاركتنا هذا ونتطلع بل ونطمع في غيره وفي بقاءك بيننا فأنت من المعلمين الأوائل ووجودك مكسب كبير للجميع
كل الرضا لك سيدي الكريم
__________________
روح قديمة
ود غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17 - 02 - 2017, 12:29 PM   #3
عطاف المالكي
الآن واثقة من نفسي أكثر
 
الصورة الرمزية عطاف المالكي
 
تاريخ التسجيل: 04 - 2007
الدولة: على صخرة راسية
المشاركات: 1,154
ترجمة موفقة جداً وماذلك إلا لسلاسة وترابط المعنى
بحيث لايشعر القارئ أنها قصة مترجمة
وهذا يدل على تمكنك من ناصية اللغتين العربية والأجنبية
شكراً لك.. ولك أجمل تحية على هذا المجهود الرائع
__________________
.
.
.
.
مابين نقطة ونقطة بحر ذكريات أولها أنا وآخرها أنا

https://twitter.com/ttr_750
عطاف المالكي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19 - 02 - 2017, 02:15 PM   #4
عبدالواحد اليحيائي
كاتب
 
الصورة الرمزية عبدالواحد اليحيائي
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2002
الدولة: الرياض.. تارة أخرى
المشاركات: 4,733
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ود مشاهدة المشاركة
تستحق منك استاذ عبدالواحد اليس مونرو هذا الجهد الذي انت جدير به بلا شك
لقد قرأت النص بلغته الاصلية وأرى انك قمت بعمل جميل وصغته بحرفية
شكرا لأنك شاركتنا هذا ونتطلع بل ونطمع في غيره وفي بقاءك بيننا فأنت من المعلمين الأوائل ووجودك مكسب كبير للجميع
كل الرضا لك سيدي الكريم
أشكرك كثيراً على ثقتك،
وأسعدني رأيك خاصة بعد اطلاعك على النص في لغته الاصلية،
ووجود الجميع مكسب للجميع متى ما عملنا معاً للرقي بالانسان في ذواتنا: وعياً وذوقاً.

لك خالص ذاتك: ود.
عبدالواحد اليحيائي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19 - 02 - 2017, 02:20 PM   #5
عبدالواحد اليحيائي
كاتب
 
الصورة الرمزية عبدالواحد اليحيائي
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2002
الدولة: الرياض.. تارة أخرى
المشاركات: 4,733
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عطاف المالكي مشاهدة المشاركة
ترجمة موفقة جداً وماذلك إلا لسلاسة وترابط المعنى
بحيث لايشعر القارئ أنها قصة مترجمة
وهذا يدل على تمكنك من ناصية اللغتين العربية والأجنبية
شكراً لك.. ولك أجمل تحية على هذا المجهود الرائع
أسعدني حضورك واشادتك بالترجمة،
ذلك أشعرني أن المجهود قد بُذِل لمن يستحق.
تحياتي لك.
عبدالواحد اليحيائي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

تحويل هجري ميلادي - ميلادي هجري
سنابكم سناب شات دليل سناب تشات

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 05:37 AM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO (Unregistered)
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: vBulletin Doctor