جسد الثقافة  



العودة   جسد الثقافة > السَّرد، الفِكر، والإعلام > مكتبة الجسد

مكتبة الجسد كتب واصدارات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 03 - 05 - 2017, 07:19 PM   #1
محيط
وقت إضافي
 
الصورة الرمزية محيط
 
تاريخ التسجيل: 04 - 2009
المشاركات: 828
مخدوعو النعيم (نقد للرأسمالية)

مر زمن كان ينظر فيه للشيوعية على أنها جنة المساواة بين الطبقات , لم يتحقق هذا الحلم و أصبح مثار تندر بوصفه محض وهم , بصرف النظر عن العوامل التي أدت إلى ذلك .

لكن ليس بالضرورة جعل ذلك النمط من السخرية الشامتة حكراً على الشيوعية فحسب , فالرأسمالية ليست هي اليوتوبيا الموعودة كذلك , و حاضرها هو امتداد لماض أقل ما يقال عنه بأنه سيء .

النص الوارد أدناه منقول عن الفصل الأول من كتاب : بؤس الرفاهية لباسكال بروكنر

و يلقي الضوء بشفافية على المفرزات السلبية لرأسمالية ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي بلغة لا تخفي بين ثناياها الأسى .. و الخيبة , خيبة المتطلع للأفضل و ليس العدو الأيديولوجي .


ملاحظة : نقل هذا الاقتباس لا يعني بالضرورة الدعوة إلى تبني مفاهيم شيوعية أو اشتراكية , بل لإعطاء تصور كاف عن واقع الرأسمالية المطبقة حالياً كنظام اقتصادي يحمل كغيره عيوباً و سلبيات .



.



مخدوعو النعيم



لنتخيل أن عفريتاً خارقاً ظهر منذ عشرات السنين في سماء الولايات المتحدة لوضع البلاد أمام خيار صعب : إما أن تحتفظوا بوضعكم الاقتصادي الحالي و تستمروا على السير على المنوال نفسه ...
و إما أن أقترح عليكم أمراً آخر ! في مطلع القرن القادم سيكون بعضكم أغنياء غنىً فاحشاً , و ستزداد القوة الشرائية للأغلبية و سيتضخم الاقتصاد , و لكن ذلك ليس كل شيء (يهتز العفريت مقهقهاً) أما الجانب الثاني من الأمر الذي سأعرضه عليكم فهو : ستختفي الوظيفة المستقرة , و تغدو الدخول غير منتظمة , ستتزايد الفوارق و يتفكك المجتمع , ستعملون كثيراً , و يتناقص وقتكم لباقي شؤون الحياة ... عليكم أن تختاروا .

Robert Reich -


إن الرأسماليين لا يؤمنون البتة بالرأسمالية , إنهم يؤمنون بالاشتراكية بالنسبة للأغنياء , يريدون أن يتأكدوا أن الحكومة تهتم بشأنهم وحدهم دون أن يدري الآخرون بالأمر .

Michael Moore-


.

.

.




غداة انهيار جدار برلين ظهر في صحيفة (انتيرناشيونال هيرالد تريبيون) رسم مثير :

مصرفيان يرتديان معطفاً كثيفاً يناديان شحاذاً غارقاً في الثلج و يصرخان : "لقد انتصرنا" .

إنه تعبير مختصر عن سوء الفهم الذي طبع هذه الأعوام , فلقد برزت الرأسمالية للعالم بالفعل بعد العام 1989 في ملامح المنتصر الزائف .

فبالإضافة إلى نشرها لحقوق الإنسان , غدا بمقدورها - في غياب خصوم جادين - تعميم مزاياها إلى كل مكان , و تأهيل المعمورة إلى مستوى حضاري لا مثيل له , و هكذا انجرفت أوروبا و أمريكا المزهوتان بمكسبهما في غفوة ضارة , عكرتها بالكاد حرب الخليج و الصراع المشتعل في يوغوسلافيا السابقة .

كان لابد أن نقلع بسرعة عن غرورنا , فلم يخفق اقتصاد السوق في الوفاء بوعوده فحسب , تاركاً على قارعة الطريق مئات الملايين من البشر , و إنما بدا مجرد ماكينة إنتاج للثروة دون أي غائية أخرى سوى مزيد من الثروة أيضاً .

فحين تفشل الرأسمالية , تثير نقمتنا بما تخلق من شدائد , و حين تنجح تغيظنا بما تبثه من بشاعة و ما تروجه من بضائع رديئة :

بضائع متراكمة لا حاجة إليها , و كأن الاستهلاك المحموم أصبح الهدف الأقصى للحضارة الغربية , و يترتب عن ذلك إنكفاء الأفراد على أنفسهم , و ضعف اهتمامهم بالعالم , فلايرون في السياسة سوى امتداد لإدارة شركات تسمى فرنسا و ألمانيا و إيطاليا و أسبانيا .

إنها حركة مزدوجة : ننقم على الرفاهية بأنها ليست سوى الرفاهية , بمعنى أنها سخيفة , لا تسع الكل , ليس فقط باعتبار أن ثمار التقدم لا توزع بالقسط , و لكن لأنها أيضا ثمار مسمومة , ضارة لما يلازمها من إسراف و تلوث .

لقد غدت الرأسمالية تعاني من انفصام عميق بعد قرابة ثلاث عشرة سنة من تحطم التجربة السوفياتية , منذ أن أصبح من غير المتاح الابتزاز باسم الخوف من الشبح الكلياني : إنها الهواء الوحيد الذي صرنا نتنفسه , بيد أننا ننظر إلى مكاسبها و نقائصها بقلق أكبر من الماضي .

إننا نقاسيها بقدر ما نرتضيها , و مع ذلك لا نصدق الخرافات التي تغطي بها سيرها إلى الأمام .

.
.


معذبو الوفرة


لم تصل بالفعل يوماً الفوارق (الاقتصادية) , إلى هذا الحد من الاتساع على خلفية ترف مثير , نعرف الأرقام القاسية المبتذلة (حتى و لو كان بإمكان بعضهم التشكيك فيها) .

فعلى الرغم من نمو مرتفع لاقتصاديات البلدان النامية إلا أنه يعيش حالياً 20% من سكان الأرض البالغ عددهم الستة مليارات بأقل من دولار واحد في اليوم , كما يعاني كل طفل من بين أربعة أطفال في الجنوب من سوء التغذية .

و إذا كانت التطورات التقنية قد سمحت بالقضاء على المجاعة , و التغلب على أهم الأمراض , و مكنت من إطالة عمر الإنسان , و إذا كان الفقر قد تراجع خلال الخمسين سنة الأخيرة من القرن العشرين أكثر من تراجعه خلال الخمسمائة بل قل الخمسة آلاف سنة الماضية , و مع ذلك فإن الدخل المتوسط للفرد في أفريقيا قد انهار منذ الستينات .

فحسب البنك الدولي , لا تتوفر مساكن مستقرة ل600 مليون فرد , و إذا لم تتغير الأمور من الآن إلى سنة 2010 , فإن أكثر من 1,4 مليار إنسان سيعيشون دون الحصول على ماء للشرب أو مجاري .

و لنضف أخيراً أنه في عام 1998 كان 335 شخصاً الأكثر غنىً في المعمورة يسيطرون على ثروة تتجاوز الدخل السنوي المتراكم لقرابة نصف سكان العالم .

و نلمس الاختلالات نفسها في البلدان المتقدمة : ففي عام 1969 تنبأ ريمون آرون على الاستناد المتحفظ للاقتصادي الأمريكي من أصل نمساوي جوزيف شمبتر - أنه خلال نصف قرن سيقضي النمو الاقتصادي بذاته على الفقر لدى 20% أو 30% من السكان الأقل حظوة في السلم الاجتماعي .

بيد أنه إذا كان الناتج الداخلي الخام قد زاد ب20% في مطلع التسعينات في بلد مثل بريطانيا , إلا أن عدد الفقراء النسبيين (أي بحسب مستوى العيش) قد زاد في الوقت نفسه بمليون .

و في نهاية الثمانينات أضاع العامل الأمريكي ربح ثلاثين سنة من الرفاهية : لقد عادت القوة الشرائية لدخله إلى المستوى ذاته الذي كان عليه في مطلع الستينات (دانيال كوهين) .

و في عام 1988 , كان يملك 2.7 مليون أمريكي الأكثر غنى قدر ما يملك المائة مليون الأكثر فقراً .

أما بخصوص إمكانات تدارك هذا الانزياح فإنها شبه معدومة :

يحتوي الإنترنت على ألعاب تسمح باحتساب عدد القرون التي يتوجب على فرد محدود الدخل أن يعيشها ليصل إلى مستوى سنة واحدة عاشها أحد الأفراد الأكثر ثراء .

و بحسب ما نعرفه يرجع جانب وافر من هذه الوضعية إلى طغيان غير مسبوق للأسواق المالية , و إلى الثورة التكنولوجية , و المرور من رأسمالية تسييرية إلى رأسمالية أموال موروثة , حيث المساهمون يتحكمون في الأمر على حساب الأجراء .

و من هنا جمود دخول العمل , و الانفصام القائم بين النمو الاقتصادي المعقد و إيقاع تبادلات البورصة , و تكلس الحركية الاجتماعية , و نهاية العقد الملتئم بعد 1945 الذي بمقتضاه تضمن لكل فرد فرصة العمل في الوقت نفسه الذي يتم فيه الحفاظ على السلطة العمومية .

و هكذا غدا الأمر , و كأن كل مكاسب مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية قد محيت لصالح مجتمع أكثر قسوة , مناهض للضعفاء محب للأغنياء , و كأنه أصبح من الواجب إعادة النظر في كل شيء , و النهوض بصراع جديد من أجل الحياة و الكرامة .

إنها العودة لنقطة البداية , إلى إرهاصات الحركة الثقافية و العمالية , و لكن من دون الأوهام التي كانت تحرك المناضلين و المحرضين .

إن الأمر يتعلق بعودة الرأسمالية الشرسة , التي لا ترحم من لاتحتاج إليهم , و التي تكثر من الوظائف التي لا تتطلب تكويناً ولا تدر سوى دخل محدود , فهو نظام وصل حداً من الفظاعة لا يمكن معه انتظار مستقبل أفضل .

لقد عادت فوارق الدخول بين الأغنياء و الفقراء كما كان الشأن في القرن التاسع عشر إلى مستوى كثافة الاختلافات شبه الميتافيزيقية , و كأن ثمة لاهوت متصلب ينجي بعض الناس و يقصي الآخرين .

ففي حين أن الحداثة من حيث المبدأ لا تحكم على أحد بالبقاء في وضعه الأصلي و لا تعترف مطلقاً بحواجز الطبقة و الجنس و العرق و المولد , فإن جدار المال يعيد بالضرورة إنشاء حواجز طبقية مغلقة .

صرامة و اعتدال بالنسبة للعمال , تسامح و تخفيف للضرائب بالنسبة للمحظوظين : فالرئيس الجمهوري جورج بوش انتخب في البيت الأبيض بعد ثماني سنوات من الإدارة الديمقراطية على أساس برنامج يعد بتقليص ضريبي قدره 1350 مليار دولار على مدى عشر سنوات , و سيستفيد 1% من الأمريكان الأكثر غنى من قرابة 40% من إجمالي هذا المبلغ .
__________________
النهر المتدفق لسان ينطق بالحقائق التي توصل إليها , و لكنه لا يزال يتدفق لأنه لم يصل بعد إلى مبتغاه .

أما البحر الذي هو نهاية لجميع المياه فهو هاديء و ساكن , لأنه لم يبق هناك طريق بعده , أي إن الحقيقة و إن صمتت إلا أنها تتكلم و تهتف بلسان حالها , إذن فلاتصغ لما يقال , بل انظر إلى الحقيقة , و لا تراقب النهر بل البحر .

- جلال الدين الرومي


محيط غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

تحويل هجري ميلادي - ميلادي هجري
سنابكم سناب شات دليل سناب تشات

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:17 PM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO (Unregistered)
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: vBulletin Doctor