جسد الثقافة  



العودة   جسد الثقافة > السَّرد، الفِكر، والإعلام > مكتبة الجسد

مكتبة الجسد كتب واصدارات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 10 - 04 - 2005, 10:10 PM   #1
غريب المجرة
Registered User
 
تاريخ التسجيل: 04 - 2005
المشاركات: 93
ليلة سقوط بغداد:المولود و المفقود في تاريخ خرج و لن يعود

كتاب ..رغم أن غلافه لا يشدك كثيراً .. بألوانه الصفراء الباهتة .. التي لا تذكّر سوى بتلك اللحظات القاتمة ..التي كنا نعيشها إبان الحرب على العراق ..غير أنني قررت أن أجرب قراءته ..

بالرغم من أني لا أحب الكتب التاريخية..

و لا الكتب التي تتحدث عن الحروب..

إلا أنني قررت أن أقرأه ..حينما علمت أنه كتاب يعرض الوقائع بأسلوب أدبي فريد..

أمسكته ..و أنا أتوقع – كما هي العادة- أن ألقي به بعد بضع عشرات من الصفحات..

كما هي الحال مع معظم الكتب التاريخية التي تقع تحت يدي..

لكن شيئاً من ذلك لم يحدث ..

فذلك الكتاب .. يشدك .. يمتلك أحاسيسك و أنت تقرؤه .. حتى لو كنت في جو شديد الضوضاء..

حتى لو كان النوم يغالبك بعد يوم طويل..

يبدأ الكاتب معك في المقدمة بقصة حزينة .. كما هي معظم القصص هذه الأيام .. بلفتة متأملة ..



"عندما خرجت من المسجد..انتبهت إلى صورة ملصقة على بابه ..إنه إعلان عن فقدان شاب ..من هو ؟؟ مجرد شاب آخر ..اسمه من تلك الأسماء الألوفة الشائعة ( فراس عبد الجبار ) كان معي في المدرسة على الأقل ثلاثة أصدقاء بهذا الاسم ..و لزوجتي أيضاً ابن عم يحمل الاسم ذاته.



قرأت التفاصيل.. كان الإعلان يرجو من يمتلك معلومات عن هذا الشاب أن يدلي بها عند عنوان معين ..( و له الأجر و الثواب) .

..كان الإعلان يقول أيضاً أنه فُقد في منطقة الدورة ..بتاريخ معين ..تأملت التاريخ.. 8/4/2003....إنها.. ليلة سقوط بغداد ..



تأملت في صورته ..كان يبدو أنه في أوائل العشرينات من عمره ..و كان مبتسماً في الصورة ..ربما كانت قد التقطت بمناسبة تخرجه ..



..كانت ابتسامته جميلة ..ليس على شفتيه فقط ..و لكن أيضاً في عينيه ..

كان وسيماً ..ليس كوسامة نجوم السينما و المشاهير ..و لكن كوسامة أولاد الناس الطيبين ..أقربائكم و أقربائي ..أصدقائكم و أصدقائي ..إنه يشبههم جميعاً ..بشكلٍ غامض..و يشبهني أيضاً قبل عشر سنوات ..عندما كنت في مثل سنه ..و كنت نحيلاً مثله..



كان يشبهنا جميعاً ..ذلك الجيل المحبط المضلل المهزوم..!!

فجأة ..وجدت الصورة و قد صارت بمثابة صورة جماعية ..اصطففنا كلنا لالتقاطها..

نحن المخدوعون المضللون ...نحن الأسرى المهزومون ..



تأملت في ابتسامته على الصورة ..لمن كنت تبتسم يا فراس؟؟ للكاميرا؟؟ للمصور و تعليماته؟؟



للمستقبل الذي تريده لنفسك؟ للأحلام الوردية التي تناسب سنك؟؟ للشعارات الزائفة ؟؟ للمنافقين الذين يرددونها؟ لأولئك الذين باعوك و هربوا؟ لأولئك الذين كانوا أول من استفاد و انتفع و لكن أيضاً أول من هرب؟؟



..هل كنت تبتسم لأمك ؟لحنانها ؟؟لحضنها المضمون دائماً؟... لو أنك تراها الآن يا فراس ..لو أنك تراها!! أم لعلك كنت تبتسم لفاعل خير مجهول ..سيأتي ليواريك التراب ..و أنت ملقى هناك .. ميت في العراء ..



أم لعلك كنت أوعى مما نتصور ..و كنت تبتسم لتلك الحقيقة ..حقيقة أنك صرت شهيداً ..هناك.. عند من لا يجوع عنده أحد و لا يشقى!

فراس عبد الجبار ..خرج و لم يعد.. ليلة سقوط بغداد ..

و هذه هي رحلة البحث عنه ..و عنا .. و عنكم أيضاً ..بطريقة ما .."



يستدرجك الكتاب للولوج معه في أحداث و أمور لا تمتُّ لك بصلة .. لكنك تحس أنها تمسك بشكل من الأشكال .. أنها تعنيك شخصياً .. بالرغم من الأخطاء المطبعية التي مللت من تصحيحها بقلم الرصاص الذي أمسكه بيدي .. ربما لأن إمساكه لم يكن يلائم وضعية الاستلقاء التي أكون عليها حين قراءة الكتاب قبل النوم ..

لكنني لم ألقِ ذلك الكتاب جانباً ..

بل مضيت في قراءته..



يدخل الكاتب في تفاصيل دقيقة.. تحس أنه يتحدث بلسانك..

يتأمل الأمور بنفس الطريقة التي تتأملها بها ..



و في فقرة مّا من كتابه ..

يتحدث عن كوم من القمامة .. ألقاه أهل الحي في الحديقة المقابلة لشرفة منزله ..فسارع هو لإحراقها ..يلفت نظرك ..حينما يربط بين تلك القمامة..و تلك الأكوام من القمامة ..التي لم نلقِها خارج المنزل ..في تلك الحديقة ..

و لم نحتفظ بها في بيوتنا .. و إنما احتفظنا بها في داخلنا .. في عقولنا .. و اعتبرناها جزءاً مقدساً منا ..



"في القمامة ..رموزٌ نجلّها و نحترمها ..و شخصيات مركزية نقدسها.. و أقوال مأثورة تشكل وعينا و سلوكنا ..و فتاوى فقهية و حيل شرعية.. و غير شرعية .. و آليات للفقه و التنظير ..التصقت بمرور الوقت بالنصوص الدينية حتى صارت تبدو كما لو قد جاءت معها ..رغم أنها اقتحمت عليها قدسيتها .. و وحده الزمن جعلهما يبدوان ملتحمين معاً .

في القمامة ..توجد سلبيتنا ..نخفيها خلف ما نسميه إيماننا بالقدر.. و استسلامنا لكل ما تأتي به الرياح ..



في القمامة توجد فرديتنا .. عجزنا عن الذوبان في الجماعة ..عجزنا عن فهم مقاصد شريعتنا ..و عجزنا عن تحويلها إلى واقع نافع رغم ولعنا بالتحليلات و الاستنتاجات ..



أنظر إلى كوم من القمامة موجود بالضبط في ركن الجامع المواجه للقبلة ..و أنظر إلى قمة المنارة المزودة بالأضواء الحديثة ..ربما كانت كورية الصنع أو صينية ..و مكبرات الصوت كانت أجنبية أيضاً كانت سويسرية على ما أذكر ..

أجهزة التكييف في الجامع كانت يابانية ..مثل معظم السيارات التي تقف في الباحة أمامه..

وحده كوم القمامة ..كان محليّ الصنع!"





ثم ينقلك إلى صلب الموضوع .. يشخص لك الوباء .. يدلك على الفيروس .. بالرغم من أنه طبيب أسنان ..و ليس طبيباً بشرياً!



" ( من وجد الله لم يفقد شيئاً ..و من فقد الله فما وجد شيئاً )

للمرة الأولى أصطدم بقول مأثور ينفجر عليّ كلغم..كعبوة ناسفة تطيح بذلك التناقض بين القول و العمل الذي طالما عطل أي تفاعل مع كل كلمة تقال على المنابر ..أو عبر تلك المجلدات ..



للمرة الأولى..تجسر تلك الهوة الهائلة الواقعة بين النظرية و التطبيق ..

للمرة الأولى.. أحس أن الشعارات لم تعد مضحكة ..لم تعد غبية .. صارت قابلة لأن تكون حقيقة ..لأن تكون واقعاً ..



للمرة الأولى ..أكتشف أن هناك حلقة مفقودة في داخلنا ..لو وصلنا إليها ..لو ملكناها .. لأكملنا ذلك الطريق نحو إنسانيتنا .."

و يقول في موضع آخر :



"نقطة التفتيش الأمريكية تلك ..لا تريد حقاً أن تفتش صندوق سيارتك ..كما سيبدو لك للوهلة الأولى ..

إنها تريد أن تقتحم صندوق دماغك ..أن تداهم تلافيفه و تسيطر على خلاياه ..

إنها تريد أن تحدد مسار حياتك .. و تعسكر داخل حياتك..تمضي أنت .. و لكن تمكث نقطة التفتيش تلك ..في داخلك تحتلّك..تسيطر عليك ..و تحدد مسارك.."



و بعد ذلك الطريق الطويل الذي جعلني المؤلف أسير معه خطوة بخطوة..

بعد كل ذلك ..

بعدما هالتني أصوات التفجيرات ..بعدما أحسست بأصوات تبادل النيران ..التي يسميها الكاتب ( صدام الحضارات ..أو حوار الحضارات ) .. لا فرق..



بعدما ركضت معهم خارج المنزل إلى الفناء الخارجي ..خوفاً من أن ينهار البيت كله فوقي _ معهم_ ..

بعدما ما أحسست بالأباتشي .. بالطائرة الأمريكية .. و قد صارت ( فوق)..



بعدما أحسست بالذل الذي حتماً سيحس به كل من يقرأ ذلك الكتاب ..

و كل مسلم لم يعطِ إسلامه حقه ..

و كل مسلم ..جعل من دينه مجرد شعارات زائفة لا مكان لها في حيز التطبيق..



بعد كل ذلك الذل و الألم..

يمسح الكاتب الجرح بمرهم مسكن..

بمرهمٍ تعتقد أنه سيكون بداية خروج الصديد من جسدك و عقلك.. من جسد الأمة وعقلها و روحها..

إنه العقيدة الحقيقة في قلوب أطفالنا و عقولهم ..

العقيدة المغروسة منذ نعومة الأظفار ..

إنها (NO) في موقف ذلك الطفل الرافض لكل ألوان الاستعباد..



"و دقوا الباب على روضة زوجتي..

على روضة ابني..



كان الجندي الأمريكي واقفاً أمام الباب ..

و أمامه كان ابني يتأمل الرشاش و الطلقات و الخوذة ..و بقية تفاصيل العدة التي يحبها الأطفال في سنه ..

ربما كان الجندي ينفذ التعليمات الصادرة إليه بإظهار اللطف و المودة لكسب عقول و قلوب العراقيين ..

و ربما كان لطيفاً هو بشكل شخصي..



المهم أنه مد يده ..لابني ..و قال بلطف : Hello

لكن ابني ..سحب يده ..و وضعها خلف ظهره ..

و قال :NO !

وقعت الكلمة كالصاعقة على ذلك الجندي..ردد باستغراب ..بتساؤل: NO؟!!

أخفى ابني يده خلف ظهره أكثر ..بتصميم أكبر ..و نفخ صدره ..

و قال بصوت أعلى ..بوضوح : NO!"



"أغمض عيني و أنا أحتضنه ..

أحلم ببغداد أخرى ..بغداد و هي تنهض من كَبتها .. و تتحرر من محتلها ..من مستبدها ..من أية إمكانية لوجود مستبد آخر يوصلنا لمحتل آخر..



بغداد ..الأخرى .. و بغداد الجيل الآخر .. تحتاج إلى شاهد آخر ليروي حكايتها ..أما أنا فكنت شاهد السقوط فحسب ..( حتى الآن ..على الأقل)."



أنهيت قراءة الكتاب ..حوالي الساعة الواحدة و النصف صباحاً..اعتقدت أنه بإمكاني الخلود للنوم ..

غير أن جفنيّ لم يغمضا..

كنت أرى قصة بغداد..هي قصة دمشق..

أحدق في البعيد ..آملة ألا تكون نهاية دمشق كنهاية أختها..

سألت نفسي .. هل يا ترى اعتبر أبناء دمشق مما حل بأبناء خالتهم ..؟؟

الساعة تسير .. لا تهتم بي و بأفكاري التي لا تنتهي أبداً ..

أنظر إلى الساعة ..إنها الرابعة فجراً ..أذان الفجر بعد نصف ساعة ..

أردت انتهاز الفرصة بالحصول على دقائق من النوم قبل حلول موعد الصلاة ..

حاولت الخلود إلى النوم.. أفلحت أخيراً ..

و لكن بمجرد أن دخلت في أول سباتي ..سمعت انفجاراً كبيراً..

انتفضتُ مذعورة .. ربما كانت قذيفة أمريكية ..

انتظرت قليلاً لعلّي أسمع شيئاً آخر يؤكد ذلك الصوت ..

لا شيء .. لا أصوات أخرى ..



عدت لنومي معتقدة أنني توهمت سماع ذلك الصوت بسبب الهواجس المحيطة بي جرّاء قراءتي للكتاب ..



أخبرت جدتي صباحاً بما سمعته ..أو بما اعتقدتُ أنني توهمتُ سماعه ..

لكن المفاجأة كانت أنها أكدت لي أنها سمعت دويّ الانفجار أثناء صلاة الوتر ..



لا أحد يعلم ماذا كان ذلك الصوت ..

ربما كان دوياً من تلك الانفجارات ..قفز عبر الكتاب ..أو عبر أفكاري و مخاوفي من أن تغدو دمشق بغداد أخرى ..



الكتاب غاية في الروعة ..أسلوب أدبي قصصي .. يمنحك بعض التأملات التاريخية ..

بعض الأحداث الشخصية التي تخص الكاتب ..لكنك تحس بأنها تخصك أنت ..شخصياً..

قراءة لحكاية بغداد ..منذ عهد الخليفة المنصور ..و حتى ليلة سقوط بغداد المنصور ..



أطمح إلى أن يقرأ كل منكم ذلك الكتاب ..

عنوان الكتاب : ليلة سقوط بغداد .المولود و المفقود في تاريخ خرج و لن يعود.

الكاتب: د. أحمد خيري العمري.


لناشر مؤسسة الرسالة ناشرون بيروت

منقوووووووووووووووووووووو وووووووول
lkr,,,,
غريب المجرة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27 - 09 - 2016, 12:32 AM   #2
دينار
1
 
الصورة الرمزية دينار
 
تاريخ التسجيل: 05 - 2008
المشاركات: 1,872
اقتباس:
ربما كان دوياً من تلك الانفجارات ..قفز عبر الكتاب ..أو عبر أفكاري و مخاوفي من أن تغدو دمشق بغداد أخرى ..
سوريا تمزقت..

من التالي؟
__________________
انا ميت

https://twitter.com/Dinar_marwan?s=08
دينار غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

تحويل هجري ميلادي - ميلادي هجري
سنابكم سناب شات دليل سناب تشات

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:12 PM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO (Unregistered)
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: vBulletin Doctor