جسد الثقافة  



العودة   جسد الثقافة > السَّرد، الفِكر، والإعلام > القصة القصيرة والرواية

القصة القصيرة والرواية النصوص القصصية ، النقدية، والأنشطة المتعلقة بالسرد.

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 17 - 11 - 2017, 01:14 AM   #1
إشراق ..
Registered User
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2017
المشاركات: 27
......

قبل اثني وعشرين عاماً ، في بيت متهالك الجدران وكئيب جداً : ولدت أنا .
طفلة بيضاء بوجه دائري تتوسطه عينان لامعتان .
كنت أود أن أتخيل بأن هناك من استبشر بولادتي و فرح بي !
لكن لآ أعلم لما استصعبت هذا الأمر ، ربما لأني إنسانه تكره التحايل والكذب بجميع صوره .
كانت أختي التي تكبرني هادئة فجئت عكسها تماماً في هذا الأمر ، كانت تجمعني حكايات كثيرة مع الآخرين .. منها مثير للانتباه ومنها محرج جداً
كنت أبدع بانتقامي ممن يكبروني ، فعندما قررت الانتقام من عمتي حسناء لأنها قرصتني في يدي وآلمتني،فكرت في عدم مقدرتي من رد القرصة لها بحكم ضخامتها بالنسبة لي !
فخطرت لي فكرة جهنمية وهي أن اقوم بفضح أحد اسرارها التي كنت قد خبأتها لهذا الغرض ،لكن اختياري للمكان الذي سأذيع السر فيه هو ما يدهشني إلى الآن ، فقد اخترت وقت خروج الناس من صلاة العصر من مسجد قريتنا وهو أكثر وقت تزدحم فيه قريتنا الصغيرة لأقوم بفضح سرها الذي كان عظيماً بالنسبة لي آنذاك .
فكان نصيبي من خطتي الخطيرة قليلاً من نشوة الانتصار ،وقرصة أخرى صغيرة.
كان سنواتي الست الأولى بشعة جداً،لم يكن يستطيع أن يخترق رماديتها سوى عرائسي التي كنت اصنعها بيدي ،والاثاث المهترئ الذي كنت اصنعه بالطين بكل سعادة، كنت ابني تلك المنازل كما أبني أحلامي ، بعناية فائقة .
اعصر الطين بين اصابعي ، أزيد الماء ليتزن قوامه ،وأنثر عليه فتاتا من التراب لمزيد من الاحتراف ولعجين متماسك أكثر ، بعدها أبدأ بالتشكيل فهنا أبني منزلا ومقاعداً واجمع عصيان رقيقة واضعها في المدفأة التي صنعتها واتخيلها تضيء وتصير نارا وعرائسي تلتف حولها لتتدفئ وتتبادل الاحاديث، وفي الجهة الأخرى اكون قد صنعت كعكاً بعناية مع أني لم أكن أراه إلا في الأعياد إن رأيته ،واتركه ليجف واحياناً اشتهيه مع أني أنا من صنعه من الطين!
وفي هذه الأثناء تغيب الشمس ولا أشعر بها ، إلا بعد أن تطل أمي برأسها وتناديني لأدخل للمنزل ،لا أدخل إلا بعد أن أضع احجاراً كبيرة فوق عرائسي ،حتى لا تطير ويطير معها جهدي الذي افنيته وأنا اصنعها تحت اشعة الشمس الحارقة.
أدخل منزلنا الصغير و أنا مطأطأة الراس ،حزينه ولا شيء أنتظره سوى أذان العصر من يوم غد.
لم نكن نملك أنا واختي غرفة نوم خاصة بنا ،كنا نفترش الأرض في صالة منزلنا ،التي كنت دائماً أتخيلها تسقط فق روؤسنا ونلقى حتفنا تحت الحطام ،لولا وجود تلك الماصورة الحديدة الطويلة التي تتوسطها .
إشراق .. غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24 - 11 - 2017, 10:46 PM   #2
إشراق ..
Registered User
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2017
المشاركات: 27
..

وذات ليلة قررت أمي أن ننام تلك الليلة في فناء المنزل،فالجو ربيع والهواء عليل.
لكن رغم صغر سني كنت أعلم أن أمي كانت تلك الليلة بالذات تعوم في دوامة شرسة من القلق والحزن الذي لم تحاول إخفاءه،كان شعوري بالتهميش من أمي يمزقني ، فأنا لم أكن حتى ضمن دائرة أحزانها الكثيرة.
فقررت إحداث مشكلة ، أي مشكلة المهم أن تلتفت لي والدتي ،أن تنزل لمستوى طولي وتنظر لعيناي وتحدثني ،وأن تضمني إلى صدرها ، يحدث أحياناً أن تتخيل الكثير وتطمع بأحلام ليست من حقك .
فصرخت دون تفكير بالخطوة التالية،نظرت إلي أمي مستفهمة :
فصرخت ثانية لأخبرها أن اصبعي الأبهام يؤلمني !
أخرجت من درجها علبة كريم مستديرة ،دهنت اصبعي بالكريم محاولة اسكاتي ،خرجت مسرعه إلى الفناء جيث قررنا النوم، كانت في داخلي صرخة أخرى...
لكن علمت بأنها لن تجدي نفعاً.
خرجت وراءها مسرعه ، ونمت ليلتها دون أن أفكر بشيء.
إشراق .. غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07 - 12 - 2017, 12:17 PM   #3
هانيا
نسْايَة
 
الصورة الرمزية هانيا
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2017
الدولة: القاهرة
المشاركات: 170
لمَ توقفت إشرق؟
ننتظرك
هانيا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12 - 12 - 2017, 10:40 PM   #4
إشراق ..
Registered User
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2017
المشاركات: 27
وللقصة بقية ..

على الرغم من التغييرات الهائلة التي اجتاحت حياتي في العشرين عام الفائتة ، ومن الطبيعي أن أكون قد عشت مشاعر كثيرة ، لكن لا زالت أيام من طفولتي تكرر نفسها في ذاكرتي بدون أن تسأم ،جالبةً معها نفس الروائح و الوجوه .
كفرحتي بهدايا أبي الصغيرة النادرة ، أبي الذي كان غريباً عني ، و لا زال.
كاندفاعي نهار عيد الأضحى لكي اخذ نصيبي من العيديات الزهيدة التي يوزعها العامل العربي الذي عاش في قريتنا أكثر مما عشنا ،كانت فرحتي تغمرني و أنا أتخيل ما سأجمعه مع بنات عمي لنحصل على أكبر قدر من الكاكاو والعصير،زادت فرحتي أكثر عندما حان دوري لأفاجئ بمقولة لم تكن غريبة عن مسامعي كثيراً: معلش أبوكي عندو فلوس كتير ، مش هاعطيكي !
لم أشعر يوماً بأن أبي غني ، بس معليش ياعم حمادة ، لن تصبح أفضل من أبي الذي لم يتذكر صغيرته بعيدية ، وجعلها تنتظر في طابور طويل لتجد جواب انتظارها في شعور مر، لن تنساه.
لم أنسى أيضا ذلك اليوم ، وأنا غارقة في الدم ،مشارط الجرّاحين تحيط بجسدي الصغير من كل ناحية،وانا أستنجد بأمي بما أبقوه لي من طاقة .
دخلت وأنا طفلة عُرفت بمستقبل باهر في الجمال ، شعرها يغطي جبهتها الصغيرة البيضاء،وعينين تنظر للحياة بنهم .
خرجت ، وكم تمنيت بأني لم أخرج من تلك المجزرة ،تمنيت أن أموت جرّاء خطأ طبي ، واستقيظ لأجدني عصفورة جميلة في جنة عرضها السماوات والأرض، بذات الملامح التي دخلت بها .
لكنها مشيئة الله التي لا أملك الا الإيمان و الرضا بها ، مشيئته أن أخرج وأكبر كثيرا ،وتدنسني الخطيئة .
خرجت لأغرَق بعبارات الشفقة ،ونظرات وأيماءات تتنبئ لي بمستقبل ليس كسابقه في شيء.
خرجت برأس أصلع تملؤه الغرز من كل جهة،وعينين لا تعرف سوى الإنكسار والضعف الذي بدى وكأنه جمع اشتاته من كل بقاع المعمورة، ليستقر معهم في عينيّ السوداوين.
إشراق .. غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25 - 12 - 2017, 05:46 AM   #5
إشراق ..
Registered User
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2017
المشاركات: 27
لا أستطيع أن أتجاهلك ، ولا أستطيع عيشك بأي شكل من الأشكال ، لا بأس !
فهذا هو مكاني الذي اعتدت عليه ، و أصبحنا أصدقاء .
أصدقاء كما هو حال صداقات اليوم ، كأي قبلة لا تحمل معنى ، ككل اللقاءات منزوعة الشغف ، ككل الرسائل البلا رائحة ،ككل الأكتاف الخائنة!
وهأنذا أعود لمكاني مرغمة ، لا لشيء إلا لأنه المكان الشاغر الوحيد الذي سيستقبل كائن وحيد ومجابه مثلي ..
مكاني في منتصف كل الاشياء ،حتى يخيَل لي أحيانا أنني لن أصل لأي طرف ،لأي ضفة مهما فعلت.

من أين أبدأ بحكايتي مع صديقي المنتصف ؟
أوه ، يبدو أني لن أستطيع أن أجعل كل هذه الحكايات المتراكمة تستيقظ بسهولة .
هل سأبدأ بمجاهد ؟
لا اظنها بداية جيدة و لكني سأبدأ بها ، مجاهد أبن عمتي الأسمر ، ذو الشعر الاسود الكثيف الذي كان يغطي عينيه دائما.
كان محط سخرية الجميع بسبب سمار بشرته الملفت ، لا اتذكر جيدا كيف بدأ إعجابي به ، ربما لأنه كان الشخص الوحيد الذي بامكاني ان أحبه ،وبالأصل لا اعرف كيف أحببته ؟
فلم نكن أبدا كأطفال اليوم المتشبعين بقصص الحب في كل مكان وزمان ، المهم ، أحببته .
كان هو السبب اللذيذ الذي يجعلني أستيقظ كل صباح مبتسمة وسعيدة .
ورغم سنواتي العشر ، إلا أني كنت محبة مخلصة ‘ يبقيني لقاء واحد شهرا بأكمله سعيدة ومطمئنة ، كنت أحول كل كلمة عادية يقولها إلى معنى آخر يجعل هذا الحب يستمر .
ياه ، كم كنت طفلة تجهل الكثير من الأمور ، كنت أظن أن مشارط الجراحين عندما اخذت مني مظهري الجميل البريء ، لن تستطيع أن تأخذ شيء اخر ، كنت لا أعلم أنني لآ أصلح لأي شيء ، لا للحب ، ولا الحياة ، كان مجاهد هو أول من أخبرني بحقيقتي ، أول من وضعني على هذا الرصيف ، رصيف المتفرجين على الحب والحكايات الجميلة الطاهرة .
الرصيف الذي اكملت عامي الواحد والعشرين وأنا أحاول الانشقاق عنه ،حاولت وجابهت كثيرا ، حنى اقعدني اليأس مره أخرى ، بحكاية أخرى.
إشراق .. غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 26 - 12 - 2017, 05:09 AM   #6
سامي الشريم
الفرج قريب
 
الصورة الرمزية سامي الشريم
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2013
الدولة: لا مكان
المشاركات: 375


ما شاء الله مُبدعة يا إشراق.
لا تتوقفي، استمري
__________________

ما زلتُ في بداية التكوين الأدبي ...
سامي الشريم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 26 - 12 - 2017, 09:26 AM   #7
مريم الحسن
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 03 - 2010
المشاركات: 7
مشاركة رائعة يا إشراق كوني دائما بالقرب .
مريم الحسن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 26 - 12 - 2017, 06:38 PM   #8
شمس العبدلية
Registered User
 
الصورة الرمزية شمس العبدلية
 
تاريخ التسجيل: 11 - 2016
المشاركات: 161
جميل ياإشراق زادكِ الله من فضله
__________________
؟
!
..
يحبون الشمس وعندما تشرق يذهبون إلى الظل
شمس العبدلية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18 - 02 - 2018, 01:03 AM   #9
إشراق ..
Registered User
 
تاريخ التسجيل: 09 - 2017
المشاركات: 27
.....

دائماً ماتتغير الروائح وتخف حدتها مع الأيام ، وكذلك احاسيس الطفولة تصبح أكثر سخفاً وازدراء بعد مرور السنين ، إلا المغص الذي يصاحب اول يوم دراسي ، ورائحة صباحات المدرسة والكتب الجديدة .
كانت المدرسة أكثر ما ينغص علي حياتي ، ومن أكثر أعدائي شراسة .
كانت توقظني أمي بصعوبة ، وكنت أهرب منها لأقفل عليّ باب الحمام لأغفو مجدداً في سلة الغسيل ، وبين الملابس المتسخة ، لم يكن المكان مهم بقدر لذة الغفوة المسروقة التي سرعان ما تنتهي بطرقات أمي على باب الحمام الوحيد في البيت .
وبعد عناء لجأت أمي إلى خيزرانه صغيرة لعلها ترعبني وتجعلني استقيظ كما تستيقظ اختي الكبرى بهدوء وبلا تعب ، لكن نصيحة الجارة لم تجدي ، فبدلاً من استيقظ بهدوء والتزم بالأوامر أصبحت أطالب والديّ كل صباح بصوت عالي واثق : اسحبوا ملفي !
كان لا يهمني أن يكون من نصيبي كل صباح بضع جلدات من خيزرانة أمي ،الأهم هو أن لا استسلم واستيقظ دون أي ضجة ، وأن لا اذهب لمدرستي بسلام.
كنت أرى المدرسة هيكل ضخم لا يحوي إلا العناء و التعب اللامنتهي.
كانت المدرسة تعني لي استاذة عواطف وهي تمضغ العلك بطريقة مستقزة ، ورائحة عطرها الذي يكاد من شدة رسميته وقوته أن يفتك بأنفي الصغير.
كنت لا أرى المدرسة إلا في صورة أستاذة غلباء التي تضرب رأس صديقتي روابي بعلبة الهندسة المعدنية ، لأنها أخطأت في حل الواجب، هي لا تريد أن تعلم بأن روابي يتيمة الأم والأب، تعيش مع خالها المشغول وجدتها الأمية !
تعني لي أستاذة سعادة ،عندما صفعت حنان على وجهها أمام طوابير الصباح،لأنها ترتدي جوارب قصيرة ، معللة بأنها ستفتن الرجال خارج المدرسة بساقيها الصغيرتين.
لايدرك طلاب اليوم كم كنّا نعاني في مدراسنا قبل عشرين سنة وأكثر، فأن لم تكن طالب معنّف ،فأنت طالب خائف أن يعنّف يوماً ما.
إشراق .. غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

تحويل هجري ميلادي - ميلادي هجري
سنابكم سناب شات دليل سناب تشات

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:46 AM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO (Unregistered)
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: vBulletin Doctor