جسد الثقافة  



العودة   جسد الثقافة > الشعر والخاطرة > ذاكرة ورق

ذاكرة ورق نثر و خواطر

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 24 - 01 - 2018, 12:02 PM   #241
سامي الشريم
الفرج قريب
 
الصورة الرمزية سامي الشريم
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2013
الدولة: لا مكان
المشاركات: 374
بريد الشكوى (9)


وردتي القرمزية


لم لا تفاجئني بعودتك؟ أتمنَّى في يومٍ ما أن أفيق من نومي فأجِدُكِ واقفةً إزاء سريري، تتأملين في تضاريسِ وجهي، وحين أُريدُ النهوض، تطيرين كالفراشةِ إلى حجري كما كنتِ تفعلين في أيامِ الطفولة، فتغرقيني بالقُبلات، ثمَّ تقولين لي: "ها أنا عُدت".

من الأخبارِ المؤسفة التي ينبغي لي أن أُطلعكِ عليها أنّ عمّتك عادت كما كانت، لقد تقوقعت على ذاتها في قبوٍ المنزل، ولم تعُد تدري ما يجري في العالم الخارجي من أحداثٍ ونوائب. باتت تقضي جُلّ وقتها في القراءة، غارقة في الكُتب، ولا تأكل سوى وجبة واحدة، ثمّ تنام لساعاتٍ قليلة. لا تريد مني ولا من أحدٍ أن يدنو منها، ما عدا حيوانها الأليف. أرأيتِ الآن أنّ لا شفاء من هذه العِلَّة المرضِيَّة؟ ثمّة شيطان يجرُّها إلى الجحيم، والغريب أنّها راضيةٌ أشدّ الرضا بهذا الحال السيء، وأنّها تشعر بسعادةٍ وهي تعيش في قاعِ الأرض. "المرأة الخفاش" هذا اللقب الّذي أطلقته عليها بعد أن طردتني أنا والطبيب النفسي عندما حاول الأخير الكشف عليها، وبعد أن قالت لنا بصوتٍ حانق: "اخرجا من حياتي، دعاني وشأني" وبعد أن شرعت في شتمي بأقذرِ الألفاظ، وفي رمي اللَّعنات عليّ كما لو أنّني شيطان، وتمنَّت أن ينالني سوء الحظ - أكثر ممّا أنا غارقٌ فيه الآن - في كلِّ خطوةٍ أخطوها.

أمّا بخصوصِ الفتى، تثبَّتُ أنّه مجنون، ولكنّه من هؤلاء المجانين الأبطال الّذين لا يخيفهم شيء على الإطلاق. لقد أخبروني قبل يومين أنّه أنقذ عائلة تسكن في آخرِ الحارة من حريقٍ هائلٍ ابتلع المنزل بأكمله. حكوا لي أنّه كان يسير في الشارع وحيدًا كعادته اليوميِّة، فرأى الأدخِنة ولهب النيران تخرج من النوافذ، فطفق يجري كالحصانِ المسحور، ثمّ ولج المنزل وأخرج من فيه بسرعةٍ عجيبةٍ لا صِنو لها. فعلاً المجنون شُجاع، لا يهاب الموت، وأمّا العاقل جبان، مُقيَّد بالمنطق، ويخشى الأخطار.

لا تنسي أن تخبريني عمّا يحدث لكِ في السكنِ والجامعة.
اشتقتُ كثيرًا إلى التفاصيلِ الدقيقة.

كوني بخير.
والدك.





ملحوظة: الحمدلله على عودة المنتدى الّذي له الفضل الكبير في تثقيفي، وفي حُبِّي للقراءة.
__________________

ما زلتُ في بداية التكوين الأدبي ...

آخر تعديل بواسطة سامي الشريم ، 24 - 01 - 2018 الساعة 06:25 PM
سامي الشريم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03 - 02 - 2018, 12:13 AM   #242
سامي الشريم
الفرج قريب
 
الصورة الرمزية سامي الشريم
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2013
الدولة: لا مكان
المشاركات: 374
بريد الشكوى (10)



أبي الغالي..

أدري لماذا تطلب مني أن أفاجئك؟ لأنّ الحياة سلبت منك كلّ ما منحتك إيّاه من نعيمٍ ولم يبق لك سواي. أدري أنّ أوّل النعيم الذي خسرته كان أُمي. ألم تقل لي ذلك من قبل؟ إليك هذه القصة التي حكيتها لي لمرّة واحدة في حياتك، ولم تعُد تذكرها لي مجددًا، ولكني لم أنسها قطّ، لا تزال تشتعل في ذاكرتي مُذ ذلك اليوم إلى حدِّ الآن. بعد أن شيّعوا جنازة أمي إلى الجبّانة، تضعضت قواك، وتقوّضت آمالك، وبقيت خاملاً، حزينًا، كئيبًا، لا تجسر على رفع بصرك إلى السماء، وباتت الدُنيا في عينيك ضيّقة ورمادية، ولا تستحق أن تُعاش أكثر من ذلك، ولكن الذي أعاد إليك الروح هو أنا، أخبرتني أنّ في ذلك اليوم الذي سئمت فيه من الحياة، والّذي أردت فيه أن تستحيل إلى تراب، قرّرت أن تُلقي عليّ لمحة أخيرة قبل الوداع، فحين دنوت من الغرفة، سمعتني أبكي بشكلٍ مُخيف، وكأنّي كنت أعلم أنك ستجابه الموت بعد قليل، فنظرت إليَّ بعينين دامعتين، وتساءلت في نفسك، لمن ستتركني؟ من سيعتني بي؟ الخادمة غريبة وربّما ترميني في أقرب مكانٍ إذا لم أُحسِن التصرف معها، وجارتنا امرأة مُقصّرة في تربية أطفالها، ولا تصلح لتربيتي، وعمّتي مُهاجرة إلى جنوب أفريقيا مع بعلها، وكنت أنت وزوجها على غير وفاقٍ مع بعضكما، فخشيت عليّ من أن يصيبني الأذى فيما بعد، فإتخذت قرارك بأنّ ترجع من جديد، وأن تقف مرّةً أخرى على قدميك، فوثبت، وفعلت أكثر ممّا ينبغي أن يفعله أيّ أب، فكيف لي ألاّ أفاجئك؟ وأنّى لي ألاّ أُدخل الحبور إلى قلبك؟

بالأمس كانت عمّتي فرحة وسعيدة، وكنت أظنّ أنّها تشافت بشكلٍ كامل من كآبتها، ولكنك تخبرني في هذه الرسالة أنّها لم تعُد كذلك. يا ربّاه! ما أشدّ وطأة الدُنيا! ما أقسى أمراض الدهر! لا ترحم أيّ مخلوق، لا ترحم أبدا. إنّها تُحيل الإنسان إلى مضغة فاسدة، إلى كائنٍ بلا روح، وغير صالح للحياة. هذا المرض الذي أصاب عمّتي خطير جدًا، وليس بوسعي الآن أن أتفاءل بما سوف يجيء في المستقبل، ولكن بلا بدع أنّ الحال سيكون أردأ من قبل، ولن يتطوّر إلا في الجانب المُظلم. حاول بقدر استطاعتك الّا تتركها لوحدها بين أربعةِ جدران، ستهلك من الوحدة، ستدفن حيّة.

تريد أن تعرف عن حياتي هنا، حسنًا، سأبدأ أولاً بملجأ الأيتام - أقصد السكن - تعرّفتُ على فتاةٍ نرويجية تسكن في الغرفة المجاورة، سأخبرك عن صفاتها؛ ذكية وفاتنة جدًا، ولطيفة معي ومع الآخرين، وتُحبّ الأعمال التطوعية، وتعشق السفر والرحلات، وتتكلّم ست لغات، تخيّل! أنا بالكاد أتحدّت ثلاث لغات، وأشعر أحيانًا بالزهو من نفسي، وهي لديها هذه اللّغات الست، وكأنّها لا شيء بالنسبة لها، وكما تقول هي: "لا أفتخر بهذه اللّغات، فكلّ شخصٍ يستطيع أن يفعل ما فعلت، فلماذا إذن أغدو مثل الطاووس، وأنفخ ذاتي لمجرد امتلاكِ لشيءٍ يمكن للآخرين أن يحصلوا عليه؟!". ومن مزاياها أيضًا أنّها فتاة موسوعية ومُثقفة جدًا، ما إن نفتح نقاشًا عن أيّ شيء، إلاّ ولها اضطلاع واسع به، ولها رأيٌ سديد فيه. دعني أخبرك عمّا حدث بالأمس، كُنّا في طقسٍ ديني، فتكلّمنا عن الذنوب التي يقترفها البشر، والعذاب الّذي يُرسله الله إليهم، كالفيضانات والزلازل والأعاصير، فتدخلت هي في وسط النقاش وقالت: "إنّ هذه الفيضانات والزلازل ليست بسبب خطايا الناس كما تظنن، بل بسبب تحرّك الصفائح التكتونية لا أكثر" لاحظت أنّها ترتكن كثيرًا إلى العلم، وتُنكر أيّ تدخل غيبي أو إلهي، حتّى أنّها لا تؤمن بالأبراج تقول إنّها من العلومِ المُزيفة والعاقل لا ينبغي له أن يؤمن بهذه الأشياء الباطلة والسخيفة، ولا أن يُضيّع وقته في الاستماعِ إليها. فتكلّمت بعد ذلك عن أشياء كثيرة مُتعلقة بالنظريات العلمية، من بينها نظرية التطور، وأنّها تؤيدها بشدة، وتقول أيضًا أنّها لا تؤمن بخالقٍ للكون، إذ أنّ ليس لكلِّ حدث له مُحدث، فالقفزات الكمومية تجيء بدون مسبب، والعبور الذري أيضًا. ماذا عساني أن أقول أكثر من ذلك؟ هذه الفتاة تقرأ عن كلّ شيء، عن الأديان، والميثولوجيا، والبيولوجيا، والفلسفة، والفلك، وعن مختلف سائر العلوم والفنون، في جلسة واحدة تنبجس من فمها المعلومات الوفيرة، وأمّا أنا فلم أجرؤ على مجادلتها، ولا على النقاش معها في بادئ الأمر، ولكنني قلت في الختام إنني مؤمنة بوجود خالق للكون، ومؤمنة بآدم وحواء، ولا أعترف بالنظريات العلمية فهي مجرد نظريات، ولكنها ردت عليّ بكلامٍ أخرسني، تقول إنّ ثمّة نظرية خارج إطار العلم، فهذه أراء شخصية غير موثوق بها، ولا يعوّل عليها، وثمّة نظرية داخل أروقة العلم، فهذه مدعومة بالأدلة والبراهين التي تشرح الحقائق المثبتة" لكنني لم أنبس بكلمةٍ واحدة، وبعد ذلك انصرفت إلى غرفتي.

أمّا عن الجامعة فهي بديعة جدًا، والأساتذة من أحسن الناس وأكفأهم، والمناهج جيَّدة ونافعة، ولكن المعضلة الوحيدة التي واجهتنا هي في أكل الكافتريا، اشتكينا للمسؤولين قبل يومين عن رداءة الطبخ، فوعدونا بأنّنا سنأكل أطيب وأشهى أنواع الطعام في الأيام القادمة.


كن بخير دائمًا وأبدا.
ابنتك سُعاد..

آخر تعديل بواسطة سامي الشريم ، 03 - 02 - 2018 الساعة 05:30 AM
سامي الشريم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10 - 02 - 2018, 05:56 PM   #243
سامي الشريم
الفرج قريب
 
الصورة الرمزية سامي الشريم
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2013
الدولة: لا مكان
المشاركات: 374
................ إلى صديقٍ قديم.


نحن متشابهان إلى حدٍّ كبير، المواقف التي أثارت أعصابك وأتراحك هي ذاتها كانت ولم تزل تثير فيّ وتتأجَّج، والمُعاناة التي قاسيتها طوال حياتك في الغُربة هي نفسها التي اختبرتها فيما مضى، وأنت في مُعظم لياليك لم تجد من يشاطرك الخُبز والطاولة، كنت منسيًا ومهجورًا مثل قريةٍ معزولة وخاوية، وهذا ما أشعر به مُذ مدة، وأنت فقدت كلّ شيء؛ نفسك، وصوتك، وبراءتك، وحلمك! ولم يعُد بين يديك ما يمكنك أن تتمسّك به لتظلّ على قيدِ الحياة، وهذا كلّه على وشك أن أفقده دفعة واحدة. وربّما لا أتعجّب إن كانت نهايتي سوف تضارع نهايتك، حيث الحبل المتين الذي كان يتدلى من سقفِ غرفتك، لا أزال أحتفظ به.
سامي الشريم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14 - 02 - 2018, 08:57 AM   #244
سامي الشريم
الفرج قريب
 
الصورة الرمزية سامي الشريم
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2013
الدولة: لا مكان
المشاركات: 374
خيانة صديق..


رأيتهُ يُحدّق في كتاباتي بزجاجةٍ مُكبّرة مثل مُخبرٍ بوليسي، يتشمّم الأسطر، ويفتّش بين الكلماتِ ثمّ يحلّل بعضها ويُفسّرها كما يشاء، وبعد أن فرغ من عمله، راح ينقل للآخرين فكرته الخاطئة عنّي بكلِّ حبور. علمتُ فيما بعد أنّه انتحل أكثر من شخصيةٍ وهمية، وأنّه لبس الكثير من الأقنعة، واقترب من هذا وذاك، ولكنني لم أجِد تفسيرًا لهذا الفعل الشائن إلاّ الحسد والكُره الخفي لي. ما آلمني أنّه صديقي، وخيانة الأصدقاء مُرّة كالحنظل، كأنّها نصلٌ مسمومٌ في القلبِ.
سامي الشريم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14 - 02 - 2018, 09:00 AM   #245
سامي الشريم
الفرج قريب
 
الصورة الرمزية سامي الشريم
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2013
الدولة: لا مكان
المشاركات: 374

فكرة أن تُقصي أحدًا من مكانٍ لست بصاحبه، وأن تحاول صدّه عن الكتابةِ في المواقعِ الأخرى فكرة رعناء وحمقاء، فما بالك لو كنت من أهلِ الأدب، فهذا أسوأ ما تفعل في حياتك، لأنّ لا نبي على الأدب، ولأنّ الأديب المُثقّف يُبشّر بحريةِ التعبير، ويشجّع الأقلام الطامحة، لا يقف ضدها ويحاربها.
سامي الشريم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17 - 02 - 2018, 10:46 AM   #246
سامي الشريم
الفرج قريب
 
الصورة الرمزية سامي الشريم
 
تاريخ التسجيل: 08 - 2013
الدولة: لا مكان
المشاركات: 374

لولاكِ لما كانت حياتي بهذا الإتّساع،
لما أتاني الربيع الّذي يشبهُ قلبك.

سامي الشريم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر الموضوع..


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

تحويل هجري ميلادي - ميلادي هجري
سنابكم سناب شات دليل سناب تشات

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 11:54 AM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO (Unregistered)
جميع الحقوق محفوظة لجسد الثقافة
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة رأي الموقع
Supported by: vBulletin Doctor